وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
ولقد حث القرآن على اتباع الدين الواحد الذي يقوم على أمرين:
الأول- التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بمختلف الأنواع.
الثاني- الاستسلام للّه والخضوع له في جميع الأعمال.
فمن لم يتصف بالأمرين معا فليس بمسلم، ولا على نهج الدين القيم الذي دعا إليه الأنبياء، ومنهم النّبي صلى الله عليه وسلم" [1] ."
وهذا الإسلام المقصود هنا هو (الإسلام العام) ، أي: الاستسلام لله تعالى والخضوع له وتوحيده وعدم الشرك به، وإخلاص العبادة لله تعالى، مهما اختلفت الشرائع المنزلة على كل نبي ورسول، يقول الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] ، وأخرج البخاري وأحمد وابن حبان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد"، يقول الإمام ابن حجر العسقلاني:"ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة" [2] .
أي: إن الإسلام المقصود هنا هو: القدر المشترك بين جميع الأنبياء والرسل والمؤمنين بهم، يقول ابن عطية رحمه الله في تفسيره:"... فالمعنى: أنا نؤمن بجميع الأنبياء؛ لأن جميعهم جاء بالإيمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع" [3] ، ويقول ابن تيمية رحمه الله:"ولفظ (الإسلام) يتضمن الاستسلام والسلامة، التي هي الإخلاص، وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك، كما قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44] " [4] .
(1) الدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر المعاصر، بيروت- دمشق، 1418 هـ، ج 1، ص 325.
(2) أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ط 2، 1403 هـ، ج 6، ص 564.
(3) أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422 هـ، ج 1، ص 215.
(4) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1416 هـ/ 1995 م، ج 7، ص 623، وانظر: ج 1، ص 71.