فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 56

وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.

ولقد حث القرآن على اتباع الدين الواحد الذي يقوم على أمرين:

الأول- التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بمختلف الأنواع.

الثاني- الاستسلام للّه والخضوع له في جميع الأعمال.

فمن لم يتصف بالأمرين معا فليس بمسلم، ولا على نهج الدين القيم الذي دعا إليه الأنبياء، ومنهم النّبي صلى الله عليه وسلم" [1] ."

وهذا الإسلام المقصود هنا هو (الإسلام العام) ، أي: الاستسلام لله تعالى والخضوع له وتوحيده وعدم الشرك به، وإخلاص العبادة لله تعالى، مهما اختلفت الشرائع المنزلة على كل نبي ورسول، يقول الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] ، وأخرج البخاري وأحمد وابن حبان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد"، يقول الإمام ابن حجر العسقلاني:"ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة" [2] .

أي: إن الإسلام المقصود هنا هو: القدر المشترك بين جميع الأنبياء والرسل والمؤمنين بهم، يقول ابن عطية رحمه الله في تفسيره:"... فالمعنى: أنا نؤمن بجميع الأنبياء؛ لأن جميعهم جاء بالإيمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع" [3] ، ويقول ابن تيمية رحمه الله:"ولفظ (الإسلام) يتضمن الاستسلام والسلامة، التي هي الإخلاص، وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك، كما قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44] " [4] .

(1) الدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر المعاصر، بيروت- دمشق، 1418 هـ، ج 1، ص 325.

(2) أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ط 2، 1403 هـ، ج 6، ص 564.

(3) أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422 هـ، ج 1، ص 215.

(4) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1416 هـ/ 1995 م، ج 7، ص 623، وانظر: ج 1، ص 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت