ولكن في هذا المقام يحسن التنبيه إلى أمرين:
الأول: أن هذا التعايش يظل محكومًا بالمنظومة القيمية والقانونية التي تقوم عليها الدولة (سواءً أكانت إسلامية أو علمانية) ، ولا شك أن هذه المنظومة ستفرض قيودًا وتحد من حريات من يختلفون معها أو يخالفونها، فالحقوق والحريات والعلاقات تنتظم على أساس الهرم القيمي الذي استقر عليه المجتمع وتبنته الدولة، فليست هناك حريات مطلقة لجميع أطياف المجتمع المختلفة أو المتعارضة، وهذا لا يمنع من التعايش في حدود هذه المنظومة، والعدالة بين مكونات نسيج المجتمع الواحد [1] .
الثاني: أنه لا بد من ملاحظة الفرق بين المبدأ وتطبيقه، أو الدين والتدين، فإذا كان الدين إلهيًّا معصومًا فإن التدين بشري غير معصوم، يؤثر فيه عوامل كثيرة، ويمكن أن ينحرف، كما يمكن أن يُنقد ويُرفض، وهذا يرشدنا إلى الإقرار بوقوع بعض التجاوزات في هذا التعايش على مدار التاريخ الإسلامي، وهي فترات وحوادث يلاحظ فيها العلاقة الطردية مع عدم الالتزام بالدين الصحيح والانحراف عنه، فهمًا أو سلوكًا. وهذا كما أنه واقع في تاريخ المسلمين فإنه واقع أيضًا في تاريخ غيرهم من الأمم من أهل الأديان أو الدولة العلمانية الحديثة، ولكن يبقى أهمية المبدأ والأصل التنظيري الذي يُصَحِّح عليه أصحاب المبدأ سلوكهم إذا انحرفوا عنه.
(1) انظر: خالد أبو الفتوح، الإسلام والليبرالية- حقيقة التوجه الأمريكي وإمكانية الالتقاء الفكري، مجلة البيان، الرياض، ع/ 219، ذو القعدة 1426 هـ- 2 ديسمبر 2015 م، ص 54.