أما من فعل ذلك غاضبًا، وهو لم يملك نفسه، ولا يدري ما يقول، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا اعتداد بقوله، بل هو في حكم المجنون.
ولكن ينبغي عليه إذا أفاق، وذهب عنه الغضب: أن يراجع نفسه، ويستغفر الله تعالى، ويطهر لسانه من هذا الشيء القبيح، ويتعود ذكر الله تعالى والثناء عليه، فإذا تعود لسانه ذلك، فإنه لن ينطق بالسباب، ولو عند الغضب"؛ (المناهي اللفظية: ص 80) ."
من المعلوم أن للنبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا منزلة عظيمة؛ فهو صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أولادنا وأزواجنا، وآبائنا وأمهاتنا، بل وأنفسنا.
ففي"الصحيحين"من حديث أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين ) )، ومع ذلك رأينا في هذا الزمان من يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه الله في كتابه فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وقال عنه عز وجل: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .
وسب النبي صلى الله عليه وسلم الصادر من المسلم ردة عن الإسلام، وخروج عن الملة، فمن صرح بسب النبي صلى الله عليه وسلم يجب قتله، ويسقط القتل بالإسلام؛ (أي: أسلم بعدما سب النبي صلى الله عليه وسلم) ، وكذلك الحكم فيما لو عرض المسلم بالسب، فإنه يجب قتله بدون استتابة - وهذا قول ابن القاسم، وروي عن الأوزاعي ومالك أنه يعتبر ردة يستتاب منها؛ (فتح الباري: 12/ 348) ، (تبصرة الحكام: 2/ 212) .
-قال محمد بن سحنون [1] - رحمه الله تعالى:
"أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله".
-وذكر القاضي عياض في كتابه"الشفا بتعريف حقوق المصطفى"في معرض بيانه لحد السب والاستهزاء والتنقيص فقال:"كل من سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خَصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له، وكذلك من لعنه أو ادعى عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته"
(1) ) ابن سحنون: هو أحد الأئمة من أصحاب مالك، وزمنه قريب من هذه الطبقة.