الصفحة 37 من 57

وقال البعض:"إن النهي عن سب المسلم على عمومه، حتى فيما بعد الموت، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن؛ ليتعظ بذلك فساق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أمسك عنه؛ لإفضائه إلى ما قدم، وعلة النهي عن سب الأموات؛ لأنهم قد وصلوا إلى ما قدموا من عملهم، خيرًا كان أو شرًا؛ إذ لا فائدة في سبهم"؛ اهـ (فتح الباري لابن حجر: 4/ 416) بتصرف.

-والقول الأول أولى؛ إذ لا غيبة لفاسق أو مبتدع معلن بفسقه أو ببدعته، أو لمجروح في شهادته وروايته، وذلك في حياته أو بعد مماته، وهذا من باب النصح للمسلمين، وهذا جائز؛ كما أرشد إلى هذا أهل العلم والدين.

كان من شأن العرب أن تذم الدهر وتسبه عند النوازل والحوادث، ويقولون: أبادهم الدهر، وأصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، أو يقولون: بؤسًا للدهر، أو تبًّا له، ويكثرون من ذكر ذلك في أشعارهم، وقد ذكر الله تعالى قولهم في كتابه العزيز فقال: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] ، وفي هذا الزمان تجد الناس يسبون الزمان، فيقولون:"سنة سودة، أو زمن غدار، أو زمن لا يرحم، أو جار عليه الزمان، أو يوم زي الزفت، أو ساعة نحس ... وغير ذلك من ألفاظ السب، وهذا كله لا يجوز؛ لأن الله تعالى هو فاعل ما يضاف إلى الدهر، من الخير والشر، والمسرة والمساءة، فالذي يسب الدهر ظنًّا منه أنه المتصرف الفعال للحوادث، فإنما يقع سبه على الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الفعال لما يريد لا الدهر."

-وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذم الدهر وسبه في أكثر من حديث، منها:

ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( قال الله تعالى: يؤذيني [1] ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر [2] ، أقلب الليل والنهار [3] .

(1) ) يؤذيني: أي: يقول في حقي ما أكرهه، وينسب إليَّ ما لا يليق بجلالي؛ يقول الطيبي - رحمه الله تعالى: والإيذاء إيصال مكروه إلى الغير، وإن لم يؤثر فيه، وإيذاؤه تعالى عبارة عن فعل ما لا يرضاه"؛ اهـ."

ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] ، لكن هذا الإيذاء لا يضره سبحانه؛ كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 176] ، وفي الحديث القدسي: (( يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ) (رواه مسلم) .

(2) ) وأنا الدهر: أي: فاعل كل شيء في الدهر.

(3) ) أقلب الليل والنهار: أي: أخرجهما وأوجدهما على هذا النظام البديع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت