واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وعليه فلا يجوز لإنسان أن يلعن شيئًا غير مستحق للعن؛ لأنه بذلك يحكم عليه أنه مطرود من رحمة الله، وهذا من التألي على الله، وهذا أمر خطير يوقع صاحبه في الهلكة.
-ففي الحديث الذي أخرجه الطبراني عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال:"كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أنه قد أتى بابًا من الكبائر [1] ".
فقد أخرج البخاري من حديث أبي قلابة: أن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أخبره:
"أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة [2] ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال [3] ، ومن قتل نفسه"
(1) ) أتى بابًا من الكبائر: أي أصاب ذنبًا من الذنوب العظيمة؛ لأنه لا يحب الخير لأخيه المسلم، وهذا ليس من الإيمان، وقد قال الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري: (( والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه ) )، فلا يتم إسلام المرء ولا يكمل إيمانه إلا إذا أحسن معاملته للمسلمين ظاهرًا وباطنًا؛ من إرادة الخير لهم، وموعظتهم بالحسنى، وعدم لعنتهم، والدعاء لهم بالهداية والتوفيق، وترك الإضرار بهم، وكف الأذى عنهم، وستر زلاتهم، والرفق بالصغير، وتوقير الكبير ... وغير ذلك من تعاليم الإسلام التي بينها الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) ) الشجرة: يعني شجرة الرضوان: الحديبية.
(3) ) قال في"الفتح": الملة هي الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب؛ كاليهودية والنصرانية ومَن لحق بهم من المجوسية والصابئة، وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين وعبدة الملائكة، وغيرهم، ولم يجزم المصنف بالحكم على تكفير الحالف بذلك أو لا؟ لكن تصرفه يقتضي أنه لا يكفر بذلك؛ لأنه علق حديث: (( مَن حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله ) )ولم ينسبه إلى الكفر"؛ اهـ."
-وقال بعض الشافعية:"ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكِر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر، فإن كان أراد أن يكون مُتصفًا بذلك كفر؛ لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور."
-وقوله:"كاذبًا متعمدًا"، قال عياض:"تفرد بزيادتها سفيان الثوري، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها: أن الحالف المتعمد إذا كان مطمئن القلب بالإيمان، وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه، لم يكفر، وإن قاله مُتعمدًا ليمين بتلك الملة؛ لكونها حقًّا كفر، وإن قالها لمجرد التعظيم لها، احتمل."