وسبب ورود الحديث: أن عكرمة بن أبي جهل مر بالمدينة، فقيل له:"هذا ابن عدو الله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا فذكر الحديث."
فإذا كان هذا في حق الكافر، فمن له ذمة وعهد من باب أولى ألا يشتم أو يؤذى.
وسب آلهة المشركين لا يجوز؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] ؛ فالله تعالى ينهى عن سب الآلهة التي يعبدها الكفار؛ خشية أن يتطاولوا على عظمة الله وجلاله، والآية السابقة تدل على أن المؤمنين منهيُّون عن مجاراة الكفار ومبادلتهم السباب والشتم والقبائح؛ سدًّا للذريعة، ومنعًا من الوقوع في المفسدة، وإن كانت هناك مصلحة مرتجاة، وقصد ثواب، فهذا كله قليل أمام الجرم الأعظم، وهو سب الله تعالى، وفي هذا تهذيب أخلاقي، وسمو إيماني، وترفُّع عن مجاراة السفهاء الذين يجهلون الحقائق، وتخلو أفئدتهم من معرفة الله وتقديسه.
وحكم الآية - كما ذكر العلماء - باقٍ في الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وقوة وغير خاضع لسلطان الإسلام والمسلمين، وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الله عز وجل - فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه فعل بمنزلة التحريض على المعصية، وهذا نوع من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع.
وفي الآية أيضًا دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين"؛ (انظر التفسير المنير لوهبة الزحيلي: 7/ 327) ."
-قال البيضاوي - رحمه الله تعالى:"وفي الآية السابقة دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة، وجب تركها"؛ اهـ.
ورد في بعض الأحاديث النهي عن سب الشيطان، منها ما رواه أبو داود عن أبي المليح عن رجل قال:"كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فعثرت دابته، فقلت: تعس الشيطان، فقال: (( لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت ذلك، تعاظم حتى يكون مثل البيت، ويقول: بقوتي، ولكن قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك، تصاغَر حتى يكون مثل الذباب ) )."
-وأخرج الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شره ) )؛ (الصحيحة: 2422) ، (صحيح الجامع: 7318) .