فهناك بعض الطوائف يظنون أنهم يتقربون إلى الله بسب الصحابة رضي الله عنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول - فيما يرويه البخاري ومسلم: (( ولا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه"."
فمَن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين - على تفصيل قد مر بنا - لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساوئهم وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وكذلك رد خبر الرسول صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل في نقل المأثور، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، وهذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته.
-وحسبك أن من سب الصحابة أو نال منهم؛ فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فقد أخرج الطبراني في"الكبير"، وصححه الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"قال أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نسبُّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من سب أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) )."
-قال النووي - رحمه الله تعالى:"واعلم أن سب الصحابة رضي الله عنهم حرام، من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون"؛ اهـ.
وعليه فلا يجوز سب الصحابة ولا غيرهم من الأموات؛ لما سبق، وعملًا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( لا تذكروا هلكاكم - وفي رواية:"موتاكم"- إلا بخير [1] ؛(رواه النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو في"صحيح الجامع": 7271) .
2)هل يجوز سب بعض المسلمين الأموات والوقوع فيهم لمصلحة شرعية؟
قال البعض: سب المسلم يقع إذا كان بحق ولمصلحة شرعية؛ كالتحذير من الاقتداء به في بدعته وفسقه.
يقول ابن بطال - رحمه الله تعالى:"سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير - وقد تكون منه الفلتة - فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقًا معلنًا، فلا غيبة له، فكذلك الميت [2] ".
(1) ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تذكروا موتاكم إلا بخير"، يستثنى من ذلك مَن عُرِفَ ببدعته أو فساد طويته، أو المجروح في روايته وشهادته"؛(انظر فيض القدير: 4/ 2358) .
(2) ) وقد روي عن الحسن - رحمه الله تعالى - أنه قال:"ثلاثة ليست لهم حرمة: صاحب الهوى، والفاسق المعلن، والإمام الجائر".