يسلمون، فمن أين تعلم أنهم ملعونون؟! فترك النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء عليهم ولَعْنَهم [1] .
-وأيضًا ثبت في"صحيح البخاري"من حديث عمر رضي الله عنه:"أن رجلًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبدالله، وكان يلقب: حمارًا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) )."
فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهذا يدل على عدم جواز لعن إنسان بعينه حتى ولو كان عاصيًا، إلا من جاء في حقه نصٌّ بلعنه أو بكفره.
-قال مكي بن إبراهيم:"كنا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بردة، فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه، وابن عون ساكت، فقالوا: يا بن عون، إنما نذكره بما ارتكب فيك، فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة: لا إله إلا الله، ولعن الله فلانًا، فلأن يخرج من صحيفتي: لا إله إلا الله، أحب إلي من أن يخرج منها: لعن الله فلانًا".
2)قد يقول قائل:"إن الكافر يلعن؛ لكونه كافرًا في الحال، كما يقال للمسلم:"رحمه الله"؛ لكونه مسلمًا في الحال، وإن كان يتصور أن يرتد."
والرد على هذا أن معنى قولنا:"رحمه الله"؛ أي: ثبَّته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة، وعلى الطاعة، ولا يمكن أن يقال:"ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة"، فإن هذا سؤال للكفر، وهو في نفسه كفر، بل الجائز أن يقال:"لعنه الله إن مات على الكفر"، ولا لعنه الله إن مات على الإسلام، وذلك غيب لا يدرى، والمطلق مترددٌ بين الجهتين، ففيه خطر، وليس في ترك اللعن خطر، وإذا عرفت هذا في الكافر، فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى.
فلعن الأعيان فيه خطر؛ لأن الأعيان تتقلب في الأحوال، إلا من أعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) ) وهذا الحديث أخرجه الشيخان من حديث أنس، وفيه:"دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا ..."؛ الحديث، وفي رواية لهما:"قنَت شهرًا يدعو على رعلٍ وذكوان ..."؛ الحديث، ولهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"وكان يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه: (( ... اللهم العن لحيان ورعلًا ... ) )؛ الحديث، وفيه:"... ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] ، وهذا لفظ مسلم.