الصفحة 10 من 57

القول الثاني: أنها تقبل توبة من سب الله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة؛ كقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] ، ومن الكفار من يسبون الله، ومع ذلك تقبل توبتهم، وهذا هو الصحيح، إلا أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته، ويجب قتله، بخلاف من سب الله فإنه تقبل توبته ولا يقتل؛ لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد، بأنه يغفر الذنوب جميعًا، أما ساب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يتعلق به أمران:

أحدهما: أمر شرعي؛ لكونه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقبل إذا تاب، الثاني: أمر شخصي، وهذا لا تقبل التوبة فيه؛ لكونه حق آدمي لم يعلم عفوه عنه، وعلى هذا فيقتل، ولكن إذا قتل، غسلناه، وكفناه، وصلينا عليه، ودفناه مع المسلمين.

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألف كتابًا في ذلك، اسمه:"الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول"؛ وذلك لأنه استهان بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا لو قذفه، فإنه يقتل ولا يجلد.

فإن قيل:"أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، وقَبِل النبي صلى الله عليه وسلم توبته؟"

أجيب: بأن هذا صحيح، لكن هذا في حياته صلى الله عليه وسلم، والحق الذي له قد أسقطه، وأما بعد موته، فإنه لا يملك أحدٌ إسقاط حقه صلى الله عليه وسلم، فيجب علينا تنفيذ ما يقتضيه سبه صلى الله عليه وسلم، مِن قتل سابِّه، وقبول توبة الساب فيما بينه وبين الله تعالى.

فإن قيل:"إذا كان يحتمل أن يعفو عنه لو كان في حياته، أفلا يوجب ذلك أن نتوقف في حكمه؟"

أجيب: بأن ذلك لا يوجب التوقف؛ لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.

فإن قيل:"أليس الغالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعفو عمن سبه؟ أجيب: بلى، وربما كان العفو في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم متضمنًا المصلحة، وهي التأليف [1] ، كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أعيان المنافقين ولم يقتلهم؛"لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل

(1) ) التأليف: أي تأليف القلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت