التقى والعلم والرزانة والفهم مايجعل أمره جليًا للمؤمنين دون تكلّف وتعسّف وحتى دون الإشارة إلى نفسه كيف وأن ظهوره عن اختيار من المؤمنين وصدق فراسة منهم لِما يجعل الله له في قلوبهم من المحبة والتقدير ومعرفة أنه جدير بما هيِّئ له.
هذا والأمر كله لله فهو سبحانه الذي قدّر المقادير المناسبة من الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ليأتي الأمر على وفق ماقدّره، وهذا شيء جليل رهيب لا يأتي بمثل هذا السَّخَف فنعوذ بالله من تسْويل الشيطان وتوهيمه.
والأحاديث المتقدمة تدل على محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لصالحي أمته الذين يأتون بعده ولم يَرَهُمْ كما أنه يحب أصحابه وعموم المؤمنين وليس في هذا مايدل على رجوعه إلى الدنيا.
أما قول اللحيدي: (ولو كانت رؤيا عامة تتحقق بعد البعث حين يجمع الله الخلائق لكان الأنبياء والرسل أحق بها من هؤلاء) .
يقال له: كلامك هذا يُبين فساد فهمك، والذي حصل منه - صلى الله عليه وسلم - تمني رؤية إخوانه ولقائهم وقطعًا لم تتحقق له هذه الأمنية لأن الله عز وجل اختاره إلى جواره، فما المتعلَّق في هذا؟
اللحيدي يتعلق بأي شيء يظن أنه يستطيع أن يُطَوِّعه على مشيئته وإرادته ولو كان شديد الإباء.
وزعم اللحيدي أن أكثر الصحابة على أن الرسول لم يُتَوَفَّ يقول: والتزموا هذا ومنعوا الناس من دفنه واستشهد بما وقع لعمر رضي الله عنه، وقد تقدم بيان ذلك.
والعجب أنه يستشهد هنا بقول عمر في خطبته بين يدي الصدّيق وذلك قوله: قلت لكم بالأمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت (يريد قوله أنه لم يمت) وإني والله ماوجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله عز وجل ولا عهد عهده إليَّ رسول الله ولكني قد كنت رجوْت أن يعيش رسول الله حتى يكون آخرنا. [1]
يقال اللحيدي: هذا مما يبين بطلان ماذهبت إليه حيث أن عمر رضي الله عنه أخبر أن نفْيه لوفاة رسول الله لم يكن إلا رجاءً رجاه وقطْعًا لم يتحقق هذا الرجاء.
(1) رفع الالتباس، ص26.