الغاية بهذا المضمار لأنهم شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وعايشوه معايشة.
والمراد هنا أن الآية إنما نزلت بمناسبة ماجرى عقيب عزوة بدر في شأن أخذ الفداء من الأسرى، ولذلك يقول تعالى: {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة} وذلك حيث أشار أبو بكر رضي الله عنه بقبول الفداء منهم ولم يكن عمر رضي الله عنه يرى هذا الرأي بل يرى ضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته، فهذا عتاب من الله لنبيه ولأصحابه لقبولهم الفداء من الأسرى ماداموا في حال الضعف وعدوهم في حال القوة لذلك قال تعالى: {حتى يثخن في الأرض} .
والمراد أن هذه مناسبة نزول الآية وهذا معناها الواضح في الآية فعرض الدنيا هو الفداء والذي أراد الله لهم الإعراض عن هذا العرض رجاء ثواب الآخرة، وذلك في الجنة التي اختارها لهم وقد مَنّ عليهم بثواب الدنيا والآخرة، فأين هذا من فهم اللحيدي الذي يتأول القرآن على مراده.
ومِنْ لَبْس اللحيدي وتلبيسه أن زعم أن معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - المتقدم (إنا أهل بيت اختار الله لنا لآخرة على الدنيا) أن معناه اختيار رجوع النبي قبل القيامة وأنه مثل معنى قوله تعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهم وليدخلوا المسجد} الآية ومثل قوله تعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا} .
ووعد الآخرة هنا المراد به الكرّة الأخرى أي إذا أفسدتم الكرّة الثانية، ذكره ابن كثير في تفسيره.
وقد قال تعالى عن الإفسادة الأولى: {فإذا جاء وعد أولاهما} والمراد أن الخطاب مع بني إسرائيل وقوله: {بعثنا عليكم عبادًا لنا} الآية اختلف المفسرون في تعيينهم وهذا لايهمنا هنا إنما المراد أن معنى الآخرة في الآية الأولى هو الكرّة الأخرى في الدنيا لفساد بني إسرائيل وفي الآية الثانية قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {جئنا بكم لفيفا} جميعًا، وعلى كل حال فليس في الآيات مايدل على رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل القيامة، وكذب اللحيدي وافترى.