الصفحة 36 من 87

فكذلك عيسى عليه السلام هو خليفة رسول الله مع أن بينهما القرون الطويلة.

كذلك زعم اللحيدي أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى الناس بعيسى في الأولى والآخرة، فليس بيني وبينه نبي) أن المعنى إنما يستقيم ويتوجّه إذا كان مراده هنا بالأولى بعثه بالرسالة أول الأمر وبالثانية بعثه بالشهادة مرة أخرى. وهذا كذب على رسول الله بل مراده - صلى الله عليه وسلم - الدنيا والآخرة، وهذه خاصية لعيسى عليه السلام من أسبابها أنه بَشَّر برسول الله وصرّح باسمه وصفاته أعظم ممن جاء قبله من الأنبياء لأنه لانبي بينهما، ومنها أنه عليه السلام يخلفه في أمته ويحكم بشرعه حتى أنه يُعَدُّ من هذا الوجه من أمة محمد، ومنها أنه من أولي العزم الخمسة، فهذه خصائص توجب قربًا خاصًا ومودة خاصة وولاية خاصة لعيسى عليه السلام.

ولما خاف اللحيدي انكشاف هذا التلاعب قال: (والرسول - صلى الله عليه وسلم - متوسِّع جدًا بالتورية في هذا الأمر) . [1]

يقصد اللحيدي أنه هو الذي يحلّ الرموز والطلاسم التي قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تعرفها الأمة حتى جاء هو يحلّها ويبينها للأمة، ومن تتبع كلامه في نصوص الكتاب والسنة وكلام الأنبياء السابقين بل وفي الحوادث من الزلازل والحروب وحتى المنامات عرف مضمون مراده من كون النبي بزعمه متوسّع بالتورية في هذا الأمر، وليس الأمر كما زعم بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن ما أُرسل به غاية البيان، أما الذي ذكره العلماء بهدْيه وسيرته الأمناء على دينه أنه يُوَرّي أحيانًا في توجهه لجهة يغزوها فقد يُوَرّي بما يُوهم غيرها، وهذا شيء غير مانحن فيه.

والمراد أن اللحيدي قال ما قال في شأن التورية لأن المتتبع لكلامه يجده يترك الواضحات البينات ويتبع ماتشابه وهذا هو شأن أهل الزيغ الذين حُذرنا عنهم، بل إن الواضحات يتصرف بها ويتلاعب لتشهد لدعْواه الباطلة!!.

(1) رفع الالتباس، ص21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت