إما أن يكونا عامين أي متساويين في العموم بأن يصدق كل منهما على كل ما يصدق عليه الآخر، أو خاصين أو أحدهما عامًا والآخر خاصًا أو كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه.
[تعارض العامين]
فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع بحمل كل منهما على حال مغايرة لما حمل عليه الآخر، وإن أمكن الترجيح بأن وجد مرجح أحدهما على الآخر، فالجمع مقدم وهو الأصح؛ لأن فيه عملًا بهما.
مثال العامين اللذين يمكن الجمع بينهما: حديث (شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد) ، أي قبل أن تطلب منه الشهادة، وحديث: (خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد) .
فقيل: يحمل الأول على ما إذا كان من له الشهادة عالمًا بها.
والثاني على ما إذا لم يكن عالمًا بها.
وهذا الحمل غير صحيح عندنا لعدم قبول شهادة المبادر عندنا ولو مع عدم علم من له الشهادة، بل عليه أن يعلمه ليدعى ويستشهده فيشهد نعم، نعم الأول محمول عندنا على غير شهادة الحسبة.
فالحديثان الممثل بهما مرويان بالمعنى.
والثاني رواه مسلم بلفظ (ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) .
والأول متفق على معناه بين أهل الحديث في حديث: (خيركم قرني ثم الذي يلونهم) إلى قوله: (ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا) .
وإن لم يمكن الجمع بينهما، يتوقف عن العمل في الورود عن الشارع وجوبًا فيهما إن لم يعلم التاريخ، أي إلى أن يظهر مرجح أحدهما، مثاله قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ} ، وقوله تعالى: {وَأَنْ تجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} فالأول يجوز جمع الأختين بملك اليمين. والثاني يحرم ذلك، فرجح التحريم لأنه أحوط من الحلّ الذي هو مقتضى الأول؛ إذ العمل به يخلص عن المحذور يقينًا، بخلاف العمل بالحل لاحتمال المحذور فيقع فيه، ولذا قال سيدنا عثمان رضي الله عنه:"أحلتهما آية وحرمتهما آية"، وتوقف في ذلك.
لكن الفقهاء رجحوا التحريم بدليل منفصل وهو أن الأصل في الأبضاع التحريم فهو أحوط.