الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد فمن المعلوم أن مهمة المتون في المعارف الإسلاميّة هي تقريب العلوم إلى الطلاب ليحفظوها وليلموا شتات المسائل المتفرّقة في الفنّ عن طريق أصول جامعة يوجزها صاحب المتن في عبارة خفيفة مختصرة لطيفة، ثم إن العلماء حفظهم الله تعالى قد توفروا على تأليف الشروح على هذه المتون ثقة منهم في احتوائها على أصول العلم الذي جعلت له فأرادوا تيسير فهمها على الطلاب، ثم جاءت الحواشي لتضبط المتن والشرح معًا وتسد ما عساه يكون من ثغرات فيهما، فتكمل ما وقع من نقص وتوضح ما تبقى من غامض وتقيد بعض المطلقات أو تصحح بعض الهنات.
ومعلوم أنّ العلماء رحمهم الله تعالى لا يتوفرون على شرح متن والتحشية عليه إلا إن كان متنًا مهمًّا في بابه، أصلًا في فنّه، وكان أكثرها إفادة وقبولًا بين طلاب هذا الفنّ، وهكذا كلّما كثرت الشروح والحواشي على كتاب دلّ ذلك على عظيم مقداره وأهمية شانه.
ومن المتون الجيدة التي يدور عليها علم أصول الفقه ورزقت القبول متن"الورقات في أصول الفقه"لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني النيسابوري المولود في المحرم سنة 419 هـ، والمتوفى في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 478 هـ.
فإنه متن موجز، واضح الألفاظ، سهل العبارة، بيّن التقسيم، وقد اشتهر بين طلاب العلم شهرة عظيمة، وذلك لصفاء نيّة مؤلّفه وغزارة علمه نحسبه والله حسيبه ولا نزكّي على الله أحدًا.
ولهذا فقد خدم العلماء هذا المتن الجليل من جميع النواحي العلمية تحقيقًا وضبطًا وشرحًا وتحشية ونظمًا.
وكان من أعظم الشروح عليه إفادة شرح الإمام محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم، الجلال أبو عبد الله بن الشهاب أبي العباس بن الكمال الأنصاري المحلّي القاهري الشافعي، المعروف بالجلال المحلي، أو جلال الدين المحلي، المولود في مستهلّ شوال سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بالقاهرة، والمتوفى بها في أول المحرم سنة 864 هـ.
وشرح الجلال المحلي على الورقات مفيد بديع وهو من أقوى الشروح عليها أو هو أقواها.