الصفحة 58 من 59

فإذا لم يكن الشخص من أهل التقليد، بأن كان من أهل الاجتهاد قد كملت له أدوات الاجتهاد وبلغ رتبته فليس له أن يستفتي غيره ولو كان ذلك الغير قاضيًا، أو مثله في العلم أو أعلم منه، أو ضاق وقته عن الاجتهاد؛ لأنه يحرم في حقه التقليد لتمكنه من الاجتهاد بنفسه.

فإن قلّد المجتهد لم يصح العمل المبني عليه؛ لتمكنه من الاجتهاد الذي هو أصل التقليد، ولا يجوز العدول عن الأصل مع إمكانه إلى بدله.

[تعريف التقليد]

التقليد هو: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، سواء عمل بها المقلد أم لا، ومنه قبول العامي قول المفتي والقاضي قول الشهود، وقبول خبر الواحد، ومنه ذكر الحجة لغير المتأهل للأخذ منها فإنه كعدم ذكرها.

والمراد بالقبول الرأي والاعتقاد فيدخل في ذلك ما إذا اعتقدت فعل الغير من غير أن تعرف دليله.

فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلّم فيما ذكره من الأحكام لا يسمى تقليدًا.

ومنهم من قال: التقليد هو قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين يقوله، أي لا تعلم مأخذه في ذلك.

فإن قلنا: إنّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان يقول بالاجتهاد، فيجوز أن يسمّى قبول قوله تقليدًا؛ لاحتمال أن يكون عن اجتهاد.

وإن قلنا: إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} ، فلا يسمّى قبول قوله تقليدًا؛ لاستناده إلى الوحي.

ومعنى {وما ينطق عن الهوى .. } على هذا القول: أي ما المنطوق له صلى الله عليه وسلّم إلا وحي، فهو يدلّ على أنّ جميع ما يصدر عنه عليه الصلاة والسلام ناشئ من الوحي، والحق أنه صلى الله عليه وسلّم يجتهد، ومعنى الآية حينئذٍ وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى، ما القرآن إلا وحي يوحى.

وعليه: فالصواب أنه صلى الله عليه وسلّم لا يخطئ في اجتهاده؛ تنزيهًا لمنصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت