فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 75

من أعظم أسباب تأبي الحق على القلوب الكبرُ، وإشعار المرء نفسه أو الآخرين بأنه إنما بُعث إليهم هاديًا لا يقبل مع ذلك توجيها أو تصحيحًا من أحد، وأن على الناس الاستماع إلى قوله وتوجيهاته ونصائحه.

وأكمل الأحوال أن يوطن المرء نفسه للانتفاع من المخالف مهما كانت ديانته وجنسه، وأن يعلم أن هذا من أظهر علامات حسن قصده من إظهار الخلاف.

وهذا يوطن لأمرين مهمين:

الأول: تهيئة النفس لقبول الحق؛ فزوال الكبر سبب من أسباب ذلك.

والثاني: التواضع للخلق، وهذا يبعثهم على الاستماع إليك في حال من الطمأنينة والأمان؛ لأن المخالف قد سل سخيمة نفسه، ورفع حالة التوتر والاحتقان التي يشعر بها بسبب مخالفتنا، أو بسبب ما يراه من علوية البعض بأنه ما خالف أو ناظر إلا لإهداء ما عنده من الحق.

وبعض المسائل وإن كانت قطعية ظاهرة والشك فيها قد يكون كفرًا إلا أن إظهار التنَزل الجدلي طريق صحيح لإزالة التوتر؛ فالله عز سبحانه وتعالى قد قال:"وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، ويقول تعالى:"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة"؛ فما الذي يدعو إلى التفكر مع كون القضية قطعية إلا توطين نفس المخالف على قبول الحق.

وعن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت أتى حبر من الأحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون! قال: سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال:"فمن حلف فليحلف برب الكعبة". قال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا! قال: سبحان الله وما ذاك؟ قال تقولون: ما شاء الله وشئت. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال:"فمن قال ما شاء الله فليقل معها ثم شئت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت