ويؤيد هذا إذنه صلى الله عليه وآله وسلم، لمن سأله عن أجرة الحجامة أن يطعم منها ناضحه ورقيقه، ولو كانت حراما لما جاز الانتفاع بها بحال. ومن أهل هذا القول من زعم أن النهي منسوخ، وجنح إلى ذلك الطحاوي، وقد عرفت أن صحة النسخ متوقفة على العلم بتأخر الأخر، وعدم إمكان الجمع بوجه ممكن. والجمع ممكن، بحمل النهي على كراهة التنزيه؛ بقرينة إذنه صلى الله عليه وآله وسلم بالانتفاع بها في بعض المنافع، وبإعطائه صلى الله عليه وآله وسلم الأجر لمن حجمه، ولو كان حراما لما مكنه منه. ويمكن أن يحمل النهي عن كسب الحجام على ما يكتسبه من بيع الدم، فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، ولا يبعد أن يشتروه للأكل، فيكون ثمنه حراما. ولكن الجمع بهذا الوجه بعيد، فيتعين المصير إلى الجمع بالوجه الأول.
ويبقى الإشكال في صحة إطلاق اسم الخبث والسحت على المكروه تنزيها!. قال في القاموس: الخبيث ضد الطيب، والسحت ـ بالضم وبضمتين ـ الحرام، أو ما خبث من المكاسب، فلزم عنه العار انتهى. وهذا يدل على جواز إطلاق اسم الخبث والسحت على المكاسب الدنية، وإن لم تكن حرامًا، والحجامة كذلك فيزول الإشكال.
وحكى صاحب (( الفتح ) )عن أحمد وجماعة الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، وقالوا: يحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقا، وعمدتهم حديث محيصة، لأنه أذن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلف منه ناضحه )) .