الغالب في المكي قصر الآيات وقوة المحاجة، لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقون فخوطبوا بما تقتضيه حالهم.
أما المدني فبالعكس، فالغالب فيه طول الآيات وذكر الأحكام مرسلة بدون محاجة؛ لأن حالهم مقتضي ذلك، اقرأ آية الدين في سورة البقرة تجد أنها طويلة سهلة الأسلوب ليس فيها محاجة ولا مناظرة، وكذلك في سورة المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} .سورة المائدة.
والغالب في المكي هو تقرير التوحيد، توحيد الله عزوجل والعقيدة، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان باليوم الآخر لأن أكثرهم ينكر هذا، يقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقولون في حقه {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) } .سورة صّ، ويقولون في البعث ... {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) } .سورة الصافات الآية (16) ، فهم ينكرون هذا وهذا، فلذلك جاءت آيات السور المكية مقررة لهذا المعنى؛ لأن الحال تقتضي ذلك.
أما المدني فبالعكس، فيه تفصيل العبادات والمعاملات وآداب الجلوس وآداب دخول البيوت وما أشبه ذلك؛ لأن الناس قد استقر في قلوبهم التوحيد والعقيدة السليمة، ولم يبق عليهم إلا التفصيل في العبادات والمعاملات. [1]
(1) شرح أصول في التفسير للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى (ص 60 - 61) .