غش فليس منا" [1] ، وهذا المسلك النبوي الكريم إنما يتعلق بمسألة تعد من أهم موضوعات الحسبة، وهى إنكار الغش، وقد قام به أشرف الخلق بنفسه، والقيام به ليس من الاختصاصات النبوية التي تقتصر عليه - صلى الله عليه وسلم - أو التي تختص بالمكان الذي حدث فيه، ولكنه واجب التطبيق في كل زمان ومكان، لأن منع الغش مطلوب لسلامة المسلمين جميعًا، بل والإنسانية كلها، ولايتصور القيام بهذا المطلوب الشرعي في كل مكان إلا بتفويض منه، وإباحته لمن يقومون به."
وكان عمر بن الخطاب يطوف بالطرقات ويرقب أحوال الناس ليلًا ليقف على مواطن المنكر ليمنعها، وله في ذلك قصة مشهورة، حين دخل على قوم يتعاقرون على شراب، ويوقدون في أخصاص [2] ، فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الايقاد في الأخصاص فأوقدتم، فقالوا: يا أمير المؤمنين قد نهى الله عن التجسس فتجسست، وعن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتين بهاتين، وانصرف ولم يعرض لهم" [3] ، وروى أنه - رضى الله عنه: نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء، ورأى رجلًا يخالف قوله فعاقبه تعزيرًا [4] ، وفى ذلك آثار كثيرة عن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وتابعيهم [5] ."
ومن المعلوم أن كل حق يملكه الإمام يجوز أن يوكل فيه غيره حتى لا تتعطل مصالح المسلمين، فكان القيام بواجب الحسبة مما يقتضى تعيين من يقوم بها، ومن ثم كانت ولايته مستمدة من قرار تعيينه [6] ، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ولى امرأة تسمى الشفاء على سوق المدينة [7] .
والمحتسب بذلك ينفرد عن غيره ممن يغيرون المنكر من آحاد الناس، لأنهم ليس لهم قرار تعيين، وإذا كانوا يستمدون ولايتهم من الشارع لتغيير ما يقدرون على تغييره من المنكرات، فإن هذه - هي الأخرى - للمحتسب، فهو يجمع بين الولايتين، ولاية الشارع، وولاية الحاكم، وغيره ليس له إلا الأولى، كما أن للمحتسب المعين من الاختصاصات المتصلة بالضبط والتأديب وتعيين الأعوان ما لا يملكه المتطوع [8] ، ولما كانت ولاية المحتسب عامة بالنيابة عن الإمام، جاز الادعاء أمامه بالإبلاغ عن الجرائم والمخالفات واستعداؤه على فاعلي المنكرات الظاهرة، وفيما يتعلق بحقوق الله تعالى [9] .
(1) رواه مسلم، وراجع: النووى - رياض الصالحين - ص 510، ومشكاة المصابيح للتبريزى - تحقيق الألبانى - جـ 2 - ص 822 - المكتب الإسلامى سنة 1978.
(2) الأخصاص هي بيوت مبنية من أغصان الشجر الجاف القابل للاشتعال، وحانوت الخمار، المعجم الوسيط - جـ 1 - ص 247.
(3) أبو يعلى - الأحكام السلطانية - السابق - ص 296.
(4) ذكره أبو يعلى - المرجع نفسه - ص 293 - هامش 3.
(5) المرجع نفسه - ص 292 وما بعدها.
(6) القرشى - معالم القرية في أحكام الحسبة - ص 7 - طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1976، والأشباه والنظائر لابن نجيم - ص 242 - تحقيق عبد العزيز الوكيل - طبعة مؤسسة الحلبى، وكتابنا: الحسبة ودور الفرد فيها - السابق - ص 54.
(7) المحلى لابن حزم - جـ 9 - ص 361.
(8) ابن نجيم - السابق، معالم القربة - السابق، كتابنا - السابق، د. محمد سلام مدكور - السابق - ص 411.
(9) راجع تلك الفروق في: الأحكام السلطانية للماوردى - ص 287، والأحكام السلطانية لأبى يعلى - ص 284.