فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 254

وأما النذر المطلق فممدوح , لأن علة النهي منتفية عنه، وعليه تحمل نصوص الثناء.

وهذا قول بعض الشافعية , واختاره القرطبي.

قال ابن حجر: ثم أشار ابن دقيق العيد إلى التفرقة بين نذر المجازاة فحمل النهي عليه , وبين نذر الابتداء فهو قربة محضة.

4.التفريق بين من غلب على ظنه القدرة على الوفاء، وبين من غلب على ظنه عدم القدرة، وحملوا نصوص النهي على من لا يقدر على الوفاء , فيكون كلف نفسه واجبًا , وأخل به، وحملوا نصوص الثناء على من غلب على ظنه الوفاء.

والأقرب والله أعلم أن يقال:

أ. النذر لغير الله يحرم ابتداءه , ويحرم الوفاء به , لأنه لا ينعقد أصلًا.

ب. نذر المعصية يحرم ابتداءه، ويحرم الوفاء به. قال - (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) وهذا لا إشكال فيه.

ج. وأما نذر الطاعة فنفرق بين ابتداءه , وبين الوفاء به , فالوفاء به واجب يثاب عليه، وعلى ذلك يكون عبادة , قال - (من نذر أن يطيع الله فليطعه) .

والوفاء في جميع النصوص جاء في سياق الأمر , أو المدح , فلا يكون إلا عبادة , قال تعالى: { (( (( (( (بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا(7) } وقال تعالى: { ... وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ... }

وأما ابتداء نذر الطاعة فلا شك أن الإنسان إذا غلب على ظنه عدم الوفاء به فإنه يحرم عليه ابتداء النذر، وعليه فلا يكون مطلوبًا.

وأما إن غلب على ظنه الوفاء , فالذي يظهر أن الأولى تركه مطلقًا، لأنه ربما يعرض له عارض يمنعه من الوفاء، وربما ثقل عليه، وربما تغيرت حاله , أو غير ذلك من العوارض , والصوارف التي تؤدي إلى الإخلال بالوفاء , والوقوع في الإثم.

ويتأكد ذلك في نذر المجازاة، حيث أن النصوص ساقته على وجه الذم بأنه لا يرد القضاء، وأنه يستخرج به من البخيل.

-والنصوص التي جاءت بمدح النذر، إنما جاءت في الوفاء فقط، وسبق أن الوفاء بنذر الطاعة ممدوح دائمًا , ومثاب عليه.

وأما ابتداء النذر فلم يذكر في كتاب الله إلا على سبيل الذم، إلا في موطن واحد فيما أعلم , وهو قوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِن اللَّهَ يَعْلَمُهُ ... } . وهذا النص يمكن أن نحمله على الوفاء لا على ابتداء النذر فحسب، وذلك أن الله إنما يجازي على الوفاء بالنذر، أما لو نذر وأخل بالوفاء فإنه ولا شك لا يحصل له الجزاء , وإنما يحصل له عكس ذلك , وهو الإثم للإخلال بواجب الوفاء.

ومثله قوله: من نذر أن يطيع الله فليطعه. فالأمر هنا ليس لابتداء النذر، وإنما للوفاء به، والله أعلم.

فائدة: قال ابن العربي: قد نهي عن النذر , وندب إلى الدعاء , والسبب فيه أن الدعاء عبادة عاجلة , ويظهر به التوجه إلى الله تعالى , والتضرع له , وهذا بخلاف النذر , فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول , وترك العمل إلى حين الضرورة.

والكلام عن النذر , وأنواعه , وحكم كل نوع , وكفارة النذر , والفرق بينه , وبين اليمين , ومسائل أخرى يرجع فيها إلى كتب الفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت