الباب الحادي عشر
وخلاصته: أن النذر عبادة، لا يجوز صرفها لغير الله، فلا يجوز أن ينذر للأولياء , أو للقبور , ونحوها , ومن فعل ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر , ولو نذر حرم الوفاء به [1] .
وقد كان من صنيع أهل الجاهلية النذر لآلهتهم , ليتقربوا إليهم بذلك , ثم صنع المتأخرون مثل صنيع أسلافهم , ولكنهم لم يسموا ذلك عبادة , كعادتهم في تحريف الكلم عن مواضعه.
يقول الصنعاني رحمه الله: والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا.
وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح (درر البحار) : النذر الذي ينذره أكثر العوام , على ما هو مشاهد، كأن يكون للإنسان غائب , أو مريض , أو له حاجة، فيأتي إلى بعض الصلحاء , ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي , أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع , لوجوه , منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق، ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر , إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم , والشمع , والزيت , وغيرها , وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليها فحرام بإجماع المسلمين.
وقال الرافعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي , أو شيخ , أو على اسم من حلها من الأولياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة - تعظيم البقعة , أو المشهد , أو الزاوية , أو تعظيم من دُفن بها , أو نسبت إليه , أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد , فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات , ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب به النعماء، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم لينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج , والشموع , والزيت , ويقولون: القبر الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض , أو قدوم غائب , أو سلامة مال , وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت , والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقًا، ومن ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر إبراهيم الخليل عليه السلام، ولقبر غيره من الأنبياء , والأولياء، فإن الناذر لا يقصد بذلك الإيقاد على القبر إلا تبركًا , وتعظيمًا , ظانًا أن ذلك قربة، فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور محرم , سواء انتفع به منتفع , أم لا أ. هـ
وفي الوقت الحاضر بلغت حصيلة النذور في مصر في الفترة (2005 - 2006) 52 مليونًا و 67 ألف جنيه.
المسائل المتعلقة بالباب:
(1) قال ابن تيمية: وأما ما نُذر لغير الله، كالنذر للأصنام , والشمس , والقمر , والقبور , ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه , ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة , بل عليه أن يستغفر الله من هذا العقد أ. هـ
وقال أيضًا: فمن نذر لغير الله فهو مشرك , أعظم من شرك الحلف بغير الله.
مسألة: نذر المعصية ينعقد , لكن لا يجوز الوفاء به , وعليه الكفارة على الصحيح , أما النذر لغير الله فلا ينعقد , فلا كفارة فيه , لأنه لم ينعقد , وكفارته التوبة.