فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 254

4.أنه قام إرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الذي سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - (أبو عامر الفاسق) .

قال ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب , وكان قد تنصر في الجاهلية , وقرأ علم أهل الكتاب , وكان فيه عبادة في الجاهلية , وله شرف في الخزرج كبير , فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرًا إلى المدينة , واجتمع المسلمون عليه , وصارت للإسلام كلمة عالية , وأظهرهم الله يوم بدر , شَرِقَ اللعين أبو عامر بريقه , وبارز بالعداوة , وظاهر بها , وخرج فارًا إلى كفار مكة من مشركي قريش , يمالئهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب , وقدموا عام أحد , فكان من أمر المسلمين ما كان , وامتحنهم الله عز وجل , وكانت العاقبة للمتقين , وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين , فوقع في إحداهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصيب ذلك اليوم , فجرح وجهه , وكسرت رباعيته اليمنى السفلى , وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه , وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم , واستمالهم إلى نصره , وموافقته , فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق يا عدو الله , ونالوا منه وسبوه , فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر , وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن فأبى أن يسلم وتمرد , فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يموت بعيدًا طريدًا , فنالته هذه الدعوة , وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - صلى الله عليه وسلم - فوعده ومناه , وأقام عنده , وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويغلبه ويرده عما هو فيه , وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه , ويكون مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك , فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء , فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك , وجاءوا فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته , وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم , وأهل العلة في الليلة الشاتية , فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: إنا على سفر , ولكن إذا رجعنا إن شاء الله.

فلما قفل عليه السلام راجعًا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض اليوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس في أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة , كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: هم أناس من الأنصار بنوا مسجدًا , فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدًا , واستعدوا بما استطعتم من قوة , ومن سلاح , فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم , وأخرج محمدًا وأصحابه , فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا , فنحب أن تصلي فيه , وتدعو لنا بالبركة , فأنزل الله عز وجل (لا تقم فيه أبدًا) إلى قوله (الظالمين) وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة وغير واحد من العلماء.

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ اَلضَّحَّاكِ - رضي الله عنه - قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبَوَانَةَ , فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: (( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ) ). قَالُوا: لا. قَالَ: (( فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ) ). قَالُوا: لا. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (( أَوْفِ بِنَذْرِكَ ; فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ , وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ ) ).رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ , وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت