وقفات مع أدلة الباب
وَقَوْلِ اَللَّهِ تَعَالَى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) } .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: ووجه الدلالة من الآية على الترجمة من جهة القياس، لأنه إذا منع الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس على هذه المقاصد الخبيثة , مع أنه لا يقوم فيه إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله , لا يذبح فيها الموحد لله، لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به.
والضمير في قوله (فيه) في قوله تعالى (لا تقم فيه أبدًا) يعود على مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، وذكر الله تعالى العلة من النهي من القيام في هذا المسجد بقوله (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل) فذكر أربعة علل للمنع وهي:
1.أنه قام لمضارة مسجد قباء [1] , ولذا سمي مسجد الضرار.
2.أنه قام لتقرير الكفر، وإعانة الكافرين.
3.أنه قام لتفريق المؤمنين.
(1) اختلف السلف في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى , فذهب جماعة إلى أن المراد مسجد قباء , منهم: ابن عباس , وعروة , وعطية , والشعبي , والحسن , وغيرهم , وقيل: هو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وهو قول عمر , وابنه , وزيد بن ثابت , وغيرهم , لما روى مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد ألخدري , قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال لي أبي: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت بعض نسائه , فقلت: يا رسول الله: أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض , ثم قال: هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة - قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره.
قال ابن كثير: وهذا صحيح ولا منافاة بين الآية وبين هذا , لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم , فمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق الأولى.
وكذا قال الألباني في تعليقه على مختصر مسلم للمنذري , انظره ص 434.