وقوله (لعن الله من آوى محدثًا [1] .
المحدث: هو من أحدث أمرًا يخالف الشرع، سواء كان في الأمور الاعتقادية، أو العملية.
ومعنى آواه: ضمه إليه، وحماه، ويدخل في إيواء المحدثين:
1.إيواء أهل البدع، وأهل النفاق، وأهل الفسق الظاهر الناشرين له.
2.إيواء المفسدين في الأرض بالقتل , والتخريب، ومنه إيواء مروجي المخدرات , ونحوهم , ومنع الاقتصاص منهم.
قال شيخنا: وكذا من ناصرهم، لأن الإيواء أن تؤيه لكف الأذى عنه , فمن ناصره فهو أشد , وأعظم.
قال ابن القيم: هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث نفسه , فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم.
وقوله (لعن الله من غير منار الأرض) .
منار الشيء علامته الظاهرة، ومنه سميت المنارة بذلك، لأنها علامة للبعيد على وجود مسجد.
واختلف العلماء في معنى قوله (غير منار الأرض) على أقوال:
1.حدودها التي تفصل الحقوق.
والمعنى أن يدخل في حق جاره باقتطاع جزء من أرضه , وهكذا.
وقد جاء في الصحيحين: من ظلم شبرًا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين.
2.تغيير علامات الأرض التي يهتدي بها لناس في طرقهم، كالتي يهتدون بها إلى البلدان , والمياه ونحوها [2] .
ولعل المعنى الأول أقرب - والله أعلم - وهو الذي جزم به الشيخ المؤلف محمد بن عبدالوهاب في مسائل هذا الباب.
ويدل عليه ما جاء في الأدب المفرد للبخاري: لعن الله من سرق منار الأرض.
واللعن له جهتان:
أ. إن كان من الله: فهو الطرد والإبعاد من الرحمه [3] .
ب. إن كان من الخلق: فهو الدعاء والسب. كما أشار إلى ذلك ابن الأثير.
(1) قال ابن الأثير: يروى بكسر الدال , وفتحها على الفاعل , والمفعول.
والمعنى إيواء الفاعل , أو الفعل.
(2) وذكر الشيخ صالح الفوزان حفظه الله أن من ذلك تغيير علامات الطريق التي وضعها نظام المرور.
(3) إما من مطلق الرحمة , وهذا خاص بالكافر كقوله (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا) وإما من الرحمة المطلقة , وهذا للمؤمنين الذين أتوا الكبائر الملعون فاعلها , كما في هذا الحديث.
والفرق أن الأول لا يرحم , فيحرم من دخول الجنة، وأما الثاني فله قدر من الرحمة، ويحرم منها بقدر ذنبه , ومآله إلى الجنة.