قال في تيسير العزيز الحميد: فأما الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النوح , والتسخط فلا تحرم , ولا تنافي الصبر الواجب , نص عليه الإمام أحمد , لما رواه في مسنده عن أنس أن أبا بكر دخل على النبي - بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه , ووضع يديه على صدغيه , وقال: وآنبياه , وآخليلاه , وآصفياه.
وكذلك صح عن فاطمة أنها ندبت أباها - فقالت: يا أبتاه , أجاب ربًا دعاه.
وَلَهُمَا عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ - مَرْفُوعًا: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ , وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) ).
تخريجه: متفق عليه.
والشاهد: أن النبي - ذكر في الحديث ثلاث صفات كان يفعلها أهل الجاهلية عند حلول المصيبة عليهم , تدل على الجزع , وعدم الرضا بقضاء الله , وقدره , وعدم الصبر على ذلك، وذكر - أن من فعل ذلك كان فيه من صفات الجاهلية , فقال (ليس منا) بل أفعاله هذه من أفعال أهل الجاهلية , لا من أفعال أهل الإسلام.
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - قَالَ: (( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا , وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).
تخريجه: رواه الترمذي , وحسنه , والحاكم، وقال الألباني: صحيح بشواهده.
والشاهد: أن ما يقع على العبد من المصائب قد يكون بسبب ذنوب عجلت عقوبتها له في الدنيا , ولكن هذا من الخير الذي أراده الله بعبده إذا صبر على ذلك , واحتسب الأجر.
وفي الحديث (لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) .
قال ابن تيمية: المصائب نعمة , لأنها مكفرات للذنوب , ولأنها تدعو إلى الصبر , فيثاب عليها , ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله , والذل له , والإعراض عن الخلق , إلى غير ذلك من المصالح العظيمة فالمصائب رحمة , ونعمة في حق عموم الخلق , إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك , فتكون شرًا عليه من جهة ما أصابه في دينه.
فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر , أو مرض , أو وجع حصل له من النفاق , والجزع , ومرض القلب , والكفر الظاهر , وترك بعض الواجبات , وفعل بعض المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه , فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة نفس المصيبة , كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة , كانت في حقه نعمة دينية , فهي بعينها فعل الرب عز وجل , ورحمة للخلق , والله تعالى محمود عليها.
فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه , وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة , وحصل له بثنائه على ربه صلاة