فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 289

وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ"إِذَا أَمْسَيْت فَلا تَنْتَظِر الصَّبَاح إِلَخْ"وَبِقَوْلِهِ"وَعُدَّ نَفْسك فِي أَهْل الْقُبُور"وَالْمَعْنَى اِسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلا تَفْتُر , فَإِنَّك إِنْ قَصَّرْت اِنْقَطَعْت وَهَلَكْت فِي تِلْكَ الأَوْدِيَة , وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّه بِهِ

وَأَمَّا الْمُشَبَّه فَهُوَ قَوْله"وَخُذْ مِنْ صِحَّتك لِمَرَضِك"أَيْ أَنَّ الْعُمُر لا يَخْلُو عَنْ صِحَّة وَمَرَض , فَإِذَا كُنْت صَحِيحًا فَسِرْ سَيْر الْقَصْد وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتك مَا دَامَتْ فِيك قُوَّة بِحَيْثُ تَكُون مَا بِك مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَة قَائِمًا مَقَام مَا لَعَلَّهُ يُفَوِّت حَالَة الْمَرَض وَالضَّعْف.

وَقَالَ اِبْن بَطَّال: لَمَّا كَانَ الْغَرِيب قَلِيل الانْبِسَاط إِلَى النَّاس بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِش مِنْهُمْ إِذْ لا يَكَاد يَمُرّ بِمَنْ يَعْرِفهُ مُسْتَأْنِس بِهِ فَهُوَ ذَلِيل فِي نَفْسه خَائِف , وَكَذَلِكَ عَابِر السَّبِيل لا يَنْفُذ فِي سَفَره إِلا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفه مِنْ الأَثْقَال غَيْر مُتَثَبِّت بِمَا يَمْنَعهُ مِنْ قَطْع سَفَره مَعَهُ زَاده وَرَاحِلَته يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَته مِنْ قَصْده شَبَّهَهُ بِهِمَا , وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى إِيثَار الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَأَخْذ الْبُلْغَة مِنْهَا وَالْكَفَاف , فَكَمَا لا يَحْتَاج الْمُسَافِر إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغهُ إِلَى غَايَة سَفَره فَكَذَلِكَ لا يَحْتَاج الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغهُ الْمَحَلّ.

وَقَالَ غَيْره: هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي الْحَثّ عَلَى الْفَرَاغ عَنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْد فِيهَا وَالاحْتِقَار لَهَا وَالْقَنَاعَة فِيهَا بِالْبُلْغَةِ.

وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَى الْحَدِيث لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلا تَتَّخِذهَا وَطَنًا وَلا تُحَدِّث نَفْسك بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلا تَتَعَلَّق مِنْهَا بِمَا لا يَتَعَلَّق بِهِ الْغَرِيب فِي غَيْر وَطَنه.

وَقَالَ غَيْره: عَابِر السَّبِيل هُوَ الْمَارّ عَلَى الطَّرِيق طَالِبًا وَطَنه , فَالْمَرْء فِي الدُّنْيَا كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّده فِي حَاجَة إِلَى غَيْر بَلَده , فَشَأْنه أَنْ يُبَادِر بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُود إِلَى وَطَنه وَلا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ غَيْر مَا هُوَ فِيهِ

قَوْله (وَخُذْ مِنْ صِحَّتك) أَيْ زَمَن صِحَّتك (لِمَرَضِك) فِي رِوَايَة لَيْث"لِسَقَمِك"وَالْمَعْنَى اِشْتَغِلْ فِي الصِّحَّة بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِير فِي الْمَرَض لا يُجْبَر بِذَلِكَ.

قَوْله (وَمِنْ حَيَاتك لِمَوْتِك) فِي رِوَايَة لَيْث"قَبْل مَوْتك"وَزَادَ"فَإِنَّك لا تَدْرِي يَا عَبْد اللَّه مَا اِسْمك غَدًا"أَيْ هَلْ يُقَال لَهُ شَقِيّ أَوْ سَعِيد , وَلَمْ يُرِدْ اِسْمه الْخَاصّ بِهِ فَإِنَّهُ لا يَتَغَيَّر. وَقِيلَ الْمُرَاد هَلْ هُوَ حَيّ أَوْ مَيِّت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت