يلعب دورًا في إدراج بعض الأشياء في حكم الأموال والأعيان، ومن بينها حق الابتكار وحقّ التأليف؛ فكلاهما في عرف النّاس عامَّة والتجار خاصَّة مالٌ.
وإنَّ من أقدمِ النُّصوص الوقفيَّة النَّصَّ الذي رآه المقري ـ صاحب كتاب ـ نفح الطيب من غصنِ الأندلس الرّطيب، والمتوفّى بتاريخ 1041 هـ ـ على المجلّد الرّابع من كتاب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» لمؤلّفه «لسان الدّين محمد بن الخطيب» (713 ـ 776 هـ) ، حيث ذكر فيه نصَّ الوقف لنسخة من كتابه في حياته على أهل العلم بمصر، وجَعَلَ مقرَّها بخانقاه سعيد السُّعداء، وأوكل إلى أبي عمرو بن عبد الله ابن الحاج الأندلسي القيام بذلك نيابةً عنه.
وكان نصّ الوقف على الشكل الآتي (يذكر مختصرًا) [1] :
«الحمد للهِ وحده، وقف الفقير إلى رحمة اللهِ تعالى الشيخ أبو عمرو ابن عبد الله بن الحاج الأندلسي ـ نفع الله تعالى به ـ عن موكّله مصنِّفِهِ الشيخ الإمام العلامة بركة الأندلس ـ لسان الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن الخطيب الأندلسي السّلماني ... جميع هذا الكتاب «تاريخ غرناطة» وهو ثمانية أجزاء، هذا رابعها ... وقفًا شرعيًَّا على جميع المسلمين ينتفعون به قراءةً ونسخًا ومطالعة ... ».
ويركّز الباحث على قول الواقف المؤلّف «ينتفعون به قراءةً ونسخًا ومطالعةً» وهذه هي صورة الانتفاع بالكتاب الموقوف، الذي كان عملًا عقليًّا ابتكاريًّا لم يسبقه إليه أحدٌ من قبل ربّما بهذا الشّكل.
والأمر نفسه قام به ابن خلدون (784 ـ 808 هـ) عندما وقف نسخةً من كتابه «العِبرَ وديوان المبتدأ والخبر» في خزانة جامع القيراون، وأجاز إعارته، لكنّه اشترط أن يكون المستفيد ذا سمعةٍ جيِّدة أمينًا، وأن يدفعَ رَهْنًا مناسبًا، وأن يردّ الكتاب في مدّة لا تزيد على شهرين [2] .
(1) المقري أحمد بن محمد، نفح الطيب من غصن الأندلس الرّطيب جـ 7، دار صادر ـ بيروت ـ لبنان، 1388 هـ / 1968 م، ص 103 ـ 105 (نقلًا عن كتاب: الوقف وبنية المكتبة العربية، للدكتور يحي محمود ساعاتي، والكتاب صادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدّراسات الإسلاميَّة ـ الرياض، السعوديَّة، الطبعة الأولى 1408 هـ / 1988 م ص 131 ـ 132.
(2) د. ساعاتي، يحي محمود، الوقف وبنية المكتبة العربيّة، مرجع سابق، ص 158.