فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 58

وقف الجهد الإنساني لا تندرج ضمن نظرة الفقهاء القدامى، لأنّها لم تنتج من عين يتملّكها الإنسان، بل نتجت من أعضاء جسده التي ليست مكانًا للتّملّك، وبالتّالي فإنّه لا يصحّ وقف جهد الإنسان المؤدّي إلى تحقيق منفعة، ولقد عَدَّد الإمام النّوويّ الأمور التي لا يصحّ وقفها، وذكر منها: «ولا وقف حرٍّ نَفسَه» [1] . قال الشّربيني الخطيب معلّقًا على قول الإمام النّووي: «لأنّ رقبتّه غير مملوكة، كما لا يهب نفسه، ولا يصحّ وقف المنفعة دون الرّقبة مؤقتة كانت كالإجارة، أو مؤبّدَة كالوصيَّة، لأنّ الرّقَبَة أصْلٌ والمنفعة فرعٌ، والفرع يتبع الأصل» [2] . كذلك فعل الإمام البهوتي ـ صاحب كتاب الرّوض المربع ـ فقال: «ولا يصحّ وقف المنفعةِ كخدمةِ عبدٍ مُوصَى بها، ولا عينٍ لا يصِحّ بيعها كحُرٍّ» [3] .

ولكن هل يمكن التّوقّف عند مَا كتبه الفقهاء القدامى ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذا المجال؟

إنّ سياق البحث يقودنا لمعرفة نظرة الفقه إلى المنفعة الناتجة عن جهد الإنسان، لما لذلك من دورٍ في تسهيل معرفة حكم وقفها.

رابعًا: التّكييف الفقهي لوقف «العمل المؤقَّت»

قبل البدء ببيان التّكييف الفقهي لوقف منفعة العمل المؤقَّت، لا بُدّ من بيان آراء الفقهاء في ماليَّة المنفعة [4] ، بمعنى آخر: هل تعتبر المنافع أمْوالًا كما هو الحال بالنسبة لسكن المنزل وركوب السيّارة، وعمل العامل؟

ذهب الحنفيّة إلى أنّها ليست بمالٍ لعدم إمكان حيازتها. لأنّها معدومةٌ، وإذا وجدت فإنّها تفنى شيئًا فشيئًا.

(1) النّووي يحي بن شرف، متن المنهاج مع مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، جـ 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، 1377 هـ / 1958 م ص 387.

(2) الشربيني الخطيب، محمد، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، جـ 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر 1377 هـ 1958 م ص 387.

(3) البهوتي، منصور بن يونس، الرّوض المربع شرح زاد المستنقع، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، ط 1، 1417 هـ / 1996 م ص 454.

(4) انظر في ذلك: ـ شلبي، محمد مصطفى، المدخل في التّعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكيَّة والعقود فيه ـ دار النّهضة العربيّة، بيروت، لبنان، لا ط، 1405 هـ/ 1985 م ص 330.

ـ د. العبّادي، عبد السلام داود، الملكيّة في الشريعة الإسلاميَّة القسم الأول، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، ط 1، 1421 هـ ـ 2000 م ص 211 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت