خامسًا: الحكم الشَّرعي لوقف
«العمل الابتكاري المؤقَّت» :
يقصد بالعمل الابتكاري [1] (أو حقوق الابتكار) الإتيان بشيءٍ لا مقابل له في أرض الواقع، كما هو الحال بالنِّسبة للمؤلِّف الذي يعِدُّ كتابًا في موضوع جديد، أو بالنّسبة للطبيب الباحث في مختبرٍ، والذي يكتشفُ دواءً لمرضٍ معيَّنٍ، أو يضيف إلى آلةٍ قديمةٍ مخترعًا جديدًا من ابتكاره. والسّؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال: ما هو الحكم الشِّرعيّ لوقف العمل الابتكاري؟
-رأي الفقهاء القدامى:
إنَّ الفقهاء القدامى لم يكن ليخطُرَ على بالهم الحديث عن وقف العمل الابتكاري، لأنَّه لم يكن شائعًا في أيَّامهم، ولأنَّ طبيعة عُصُورهم لم تعرف الصُّورَ المعاصرة للأعمال الابتكاريّة. ولكن على الرّغم من كُلِّ ذلك وَجَدْنا الفقهاء السَّابقين يتحدَّثون عن الحكم الشَّرعي لوقف الكتب. والمراد بوقف الكتب هنا الكتاب الذي ألَّفه أو صنَّفَهُ صاحبه.
قال الإمام الكاساني: «وأمَّا وقف الكتب فلا يجوز على أصْل أبي حنيفة، وأمَّا على قولهما [2] ، فقد اختلف المشايخ فيه، وحكي عن نصر بن يحي أنَّه وقف [3] على الفقهاء من أصْحاب أبي حنيفة» [4] .
لكنَّه ومن خلال النَّظر إلى ما طبَّقهُ الفقهاء في أرض الواقع، نكتشف من خلال وقف كتبهم بأنفسهم أنّهم يَرَوْن مشروعيَّة ذلك، ويكتبون نصَّ الوقف على الكتاب نفسه؛ أحيانًا في أوّل ورقةٍ من المصنَّف، وأحيانًا في آخر ورقة منه، وأحيانًا في مجلّدٍ من مجلّدات المصنَّف.
(1) يقول د. الزرقا: هناك نوع ثالث من الحقوق المالية أوجدته أوضاع الحياة المدنيَّة والاقتصاديَّة والثقافية الحديثة، يسميه بعض القانونيين: الحقوق الأدبيَّة، كحق المخترع والمؤلِّف وكل منتج لأثر مبتكر فني أو صناعي، فإنَّ لهؤلاء حقًا في الاحتفاظ بنسبة ما اخترعوه أو أنتجوه إليهم في احتكار المنفعة الماليَّة التي يمكن استغلالها من نشره وتعميمه. وهذا النوع من الحقوق لم يكن معروفًا في الشرائع القديمة، لأنَّه وليد العوامل والوسائل المدنية والاقتصاديّة الحديثة. وفي الشرع الإسلامي متسع لهذا التدبير، تخريجًا على قاعدة المصالح المرسلة في ميدان الحقوق الخاصَّة. وقد رجحّنا تسمية هذا النوع «حقوق الابتكار» . (د. الزرقا، مصطفى، نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 21) .
(2) أي الصاحِبين: أبي يوسف محمد.
(3) أي وقف كتُبَه التي صنّفها. ولقد أخذ الفقه عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمَّد. وتوفي سنة 268 هـ [تحفة الفقهاء للسمرقندي، جـ 3 ص 378] .
(4) الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشّرائع، جـ 5، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، طـ 2، 1419 هـ / 1998 م ص 329.