فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 58

وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها أموالٌ لإمكان حيازتها بحيازة أصلها، ولأنّها هي المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طُلِبت، ولأنّ الطبع يميل إليها، وهذا الرّأي أوجه من سابقه لاتّفاقه مع العرف العام في المعاملات الماليّة.

وهناك صُوَرٌ من المنافع [1] ، لم يكن لها في الزَّمن الماضي أثرٌ في التّداول، لكنّه جرى العرفُ بتداوُلِها والانتفاع بقيمتها، كما هو الحال بالنسبة لحقّ الابتكار والعناصر المعنويَّة للمحل التّجاري، ولذلك فإنّها تعتبر أموالًا في عرف النّاس.

والذي يهمُّ الباحث مما تقدّم أنّ منفعة عمل العامل تعتبر مالًا على رأي الجمهور من الفقهاء القدامى، ولذلك فإنّ الإنسان يملك حق التّصرف فيها بالشَّكل الذي يتوافق مع ضوابط الشّرع.

ولقد سار الفقه المعاصر على اعتبار الأعمال المعنويَّة (المؤلّفات والابتكارات) حقوقًا لأصحابها يمتلكون حقّ التصرّف فيها، لأنّ لها منفعةً، والمنفعة مالٌ لأنّ لها قيمةً ماديّةً معتبرة شرعًا. مع الإشارة إلى أنّ تلك الأعمال تندرج ضمن أعمال العقل. وينبغي إطلاق الحكم نفسه على العمل اليدوي الذي يصدر من العامل الفرد، فله حقّ التّصرف فيه كيفما يشاء، والتصرّف يجيز التّنازل عن محلّ الحقّ بعوض، كما هو الحال في عقد الإجارة، أو بغير عوض كما هو الحال في الوقف المؤقَّت.

ولتوضيح ما تقدم فلقد اعتبر الشّرع منفعة عمل العامل مالًا على رأي الجمهور غير الحنفيَّة، إذ أجاز جعلها مهرًا في النِّكاح، وذلك في الآية الشريفة التي تتحدّث عن تزويج سيدنا شعيب - عليه السلام - لابنته إلى سيّدنا موسى - عليه السلام - على أن يكون مهرها رعي الغنم لمدّة ثماني سنوات، حيث قال تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [2] .

قال ابن قدامة ـ صاحب المغني: «وكُلّ ما جاز ثمنًا في البيع أو أجرةً في الإجارة من العَيْنِ والدّين والحالّ والمؤجّل والقليل والكثير ومنافع الحرّ والعبد جازَ

(1) سيصار إلى توضيح ذلك خلال الحديث عن وقف العمل الابتكاري.

(2) سورة القصص 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت