فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 258

{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [1] فإنَّكم لا تُقِرُّون بأنَّ النفس تلوم صاحبها يوم القيامة ... وقيل معناه أُقْسِمُ بيوم القيامة ولا أُقْسِمُ بالنفس اللوامة ... والأَوْلَى أنْ يكونا قَسَمَيْن. )) [2] .

وهذه الطريقة في التفسير لا تفي بالغرض من التفسير، لأنَّ المفسِّر إنْ لَمْ يُفَنِّدَ الآراء الأخرى غير الرأي المختار عنده، ويُغْني اخْتياره ويُبرهن عليه بالأدلَّة والاسْتنتاجات يكون قد أنجز الجزء السطحيّ من العمل وترك الغوص في أعماقه.

ومن المفسِّرين من يُرَجِّح رأيًا ويُجَوِّز الآراء الأخرى وكأنَّها خَيَارَاتٌ مُتَاحَةٌ أمام القارئ لينتقي منها ويختار واحدًا. أمَّا عملية ربط معاني الآيات بعضها ببعض، فغير واردة أو غير مرعيِّة في مثل هذه الأقوال، من ذلك قول البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [3] : (((فلا أُقْسِمُ) إذ الأمر أوضح من أنْ يحتاج إلى قسم، أو فَأُقْسِمُ، ولا مزيدة للتأكيد كما في {لِئلا يَعْلَمَ} [4] ، أو (فلأنا أقسم) محذوف المبتدأ، أو أشبع فتحة لام الابْتِدَاء، ويَدُلُّ عليه قراءة (فلا أُقْسِمُ) أو (فَلا) رَدٌّ لكلامٍ يخالف المُقْسَمَ عليه. )) [5] .

وعلى النقيض من هاتين الطريقتين في عرض الآراء نجد من المفسِّرين من عرض الآراء وناقشها، ومن ثَمَّ قام بِتَفْنِيْد الآراء المُخَالِفَة للرأي الذي اخْتَاره وأثبت رأيه بالأدلَّةِ والبراهين، كعبد الكريم الخطيب في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} إذ ذكر في بداية تفسير هذه الآية الآراء التي قيلت في صيغة (لا أقسم) وفَنََّدها بقوله: (( أكثر المفسِّرين على أنَّ(لا) في قوله تعالى: (فلا أُقْسِمُ) زائدة وأنَّ التقدير أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، ولم يذكروا لهذه الزيادة وجهًا مقبولا، حتَّى لكأنَّها زيادةٌ مقحمةٌ كضرورة الشعر. ويرى الزمخشريّ مثلا أنَّ زيادة (لا) تقتضي أنْ يكون النظم هكذا: (فَلأَنَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) وعلى هذا يكون أَصْلُ النظم جملةً من مبتدأ وخبر وأنَّ لام الابْتِداء دخلت على المبتدأ وهو وإنْ كان نادرًا إلا أنَّ ذلك ورد في لسان العرب ... وهذا تكلفٌ بعيدٌ وركوب ضرورات كثيرة لا يلجأ إليها إلا عند العجز وضيق مجال

(1) القيامة: 2

(2) مجمع البيان (5/ 393 - 394)

(3) الواقعة: 75

(4) الحديد: 29

(5) تفسير البيضاوي (5/ 292) ، وينظر (5/ 384)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت