فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 258

يُصَدِّق ولم يُصَلِّ، وكذلك قوله: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [1] أي لم يقتحم العقبة. ومن هذا قول القائل للنَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَرَأَيْتَ مَنْ لا شَرِبَ ولا أَكَلَ, ولا صَاحَ فاسْتَهَلَّ) . أي من لم يأكل ولم يشرب يعني الجنين. [2]

وورود (لا) النافية مع الفعل الماضي من غير أنْ تُكَرَّر في قوله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} حَمَلَ النحاة على التقدير والتأويل لدوام إعمام القاعدة التي وصفوها لـ (لا) التي تسبق الماضي، وذلك بوجوب تكرارها. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} : (( فإنْ قُلت قلَّما تقع(لا) الداخلة على الماضي إلا مُكَرَّرة, ونحو قوله: (فَأَيُّ أَمْرٍ سَيِّء لا فَعَلَه) لا يكاد يقع, فما لها لم تُكرَّر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي مُتكرِّرَة في المعنى لأنَّ معنى {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} فلا فكَّ رقبة ولا أَطْعَمَ مسكينا, ألا ترى أنَّه فسَّر اقْتِحَام العقبة بذلك. )) [3]

وللدكتور خليل عمايرة رأيٌ آخر في تكرار (لا) الداخلة على الفعل الماضي، يبدو سديدًا، إذ قال: (( ليس بالضرورة أنْ تكون في تركيبها مكرَّرة خلافا لما عليه جمهور النحاة, فهم على أنَّها إنْ دخلت على الماضي وجب أنْ تُكَرَّر, ويبدو أنَّ كثرة الاستعمال بتكرار(لا) هو الذي دفع النحاة إلى هذا الرأي )) [4] ، ثم ذكر نصًّا للفرَّاء يقول فيه: (( ولم يضم إلى قوله {فَلَا اقْتَحَمَ} كلامٌ آخرٌ فيه(لا) لأنَّ العرب لا تكاد تُفْرد (لا) في الكلام حتى يعيدوها عليه في كلامٍ آخر, كما قال، عزَّ وجلَّ: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [5] وقوله: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [6] وهو ممَّا كان في آخره معناه, فاكتفى بواحدة من أخرى, ألا ترى أنَّه فسَّر اقْتِحَام العقبة بشيئين فقال: {فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [7] {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [8] فسَّرها بثلاثة أشياء، فكأنَّه كان في أوَّل الكلام, فلا فعل ذا ولا ذا

(1) البلد: 11

(2) ينظر الأزهية (167)

(3) الكشاف (4/ 256) ، وينظر الجنى الداني (298) , مغني اللبيب (1/ 473)

(4) في التحليل اللغوي (201)

(5) القيامة: 31

(6) يونس: 62

(7) البلد: 13 - 14

(8) البلد: 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت