فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 258

به, ولذا كانت الآية الكريمة {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} نفيًا من الله تبارك وتعالى وامْتِناعًا عن أنْ يُقْسِم للإنسان على قدرته العظيمة. فهذه القدرة عظيمةٌ جليَّةٌ لا حدود لها, دائمةٌ لا انْقِطَاع فيها ولا حاجة للقسم من أجل إثباتها.

وقد تجلَّى ذلك في قوله: (رَبُّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ) وكأنَّ الكلام: (أنا ربُّ كلِّ مكان مشرق وجِدوا فيه أو أشرقت عليه شمس، وربُّ كلِّ مكان مغرب وجِدوا فيه أو غربت عليه شمس، وربُّ كلِّ وقت شروق، وربُّ كلِّ وقت غروب) إنَّه ربُّ كلِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ. فنحن نعلم أنَّ هناك في كلِّ لحظةٍ شروقًا وغروبًا على سطح هذه الكرة الأرضيَّة التي يستعمرها الإنسان وفي (المَشَارِق والمَغَارِب) أيضًا إشارة إلى الشمس مصدر الضياء, والسماء جهة الضياء, وفسحته، وربُّ هذه المشارق والمغارب الواضحة المتوالية على الناس, المستمرَّة في حياتهم وأينما ذهبوا لن يُقْسِم ليُثْبت لهم قدرته في ما هو أسهل وأيسر وهو (أنْ يُبَدِّل الله أَمْثَالَهُم) {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا} [1]

وعندما يشير، جلَّ جلاله، إلى مقامه الجليل بصيغة الجمع {إِنَّا لَقَادِرُونَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ} ففي ذلك تفخيم لا يليق، أقل منه، بذات الله وصفاته تبارك وتعالى، وهو ما يناسب جوّ الآيات ودلالاتها بعد نفي القسم على أمر أكبر من أن يُقْسَم به من جليل لا حدود لقدرته ولا سبق لفعله العظيم. وعلى ذلك نقيس في سائر صفات الله تبارك وتعالى أن لا حاجة لقسمٍ لافتٍ أو مُؤَكِّدٍ من الله تبارك وتعالى لإثباتها، فذلك حطٌّ منها، إذ هي صفات متناهية لا حدود لعظمتها ولا انقطاع فيها.

إنَّ نفي القسم في هذه الآيات الكريمة يتضمَّن معظم أغراض نفي القسم وتتشابك هذه الأغراض في هذه الآيات الكريمة تشابكًا معجزًا، ومن أوضح هذه الأغراض في هذه الآيات بعد هذا الغرض الذي تكلَّمنا عليه هنا, غرض (الإعراض عن المكذبين وإهمال شأنهم) في التوقُّف عن القسم لهم بعد تكذبيهم وكفرهم، وسأستشهد بهذه الآيات نفسها، وما قبلها وما بعدها في سورة المعارج، لإيضاح الغرض في موضعه، وبما له صلة ودلالة.

(1) النازعات: 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت