فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 129

مِنْهُمْ. وَإِذَا نَقَلَ الثِّقَاتُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ مُنْتَشِرٍ فِي جَمِيعِهِمْ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وِفَاقُهُ لَا خِلَافُهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ. وَالْوَاجِبُ عِنْدَنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ , لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعَصْرَ قَدْ انْخَرَمَ وَالْحَقُّ مَعْدُومٌ , وَهَذَا مَعَ اخْتِصَاصِ الصَّحَابَةِ بِمُشَاهَدَةِ الرَّسُولِ وَمَعْرِفَةِ الْخِطَابِ مِنْهُ , إذْ الشَّاهِدُ يَعْرِفُ بِالْحَالِ مَا يَخْفَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُ. انْتَهَى. فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ الْمَوْصِلِيَّةِ: إذَا صَحَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَذْهَبٌ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْضَحَ مِنْ دَلِيلِهِ , وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ , وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى أَدِلَّةِ الصَّحَابَةِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْأَدِلَّةِ وَلَمْ يُوجِبْ تَقْلِيدَ الْعُلَمَاءِ إلَّا عَلَى الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ. فَائِدَةٌ أُخْرَى: ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ"عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا جَاءَ اخْتِلَافٌ عَنْ الصَّحَابَةِ نَظَرَ أَتْبَعَهُمْ لِلْقِيَاسِ إذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْلٌ يُخَالِفُهُ. فَقَدْ خَالَفَ عَلِيٌّ عُمَرَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ الْقِيَاسُ فِيهَا مَعَ عَلِيٍّ , وَبِقَوْلِهِ أَخَذَ. - مِنْهَا: الْمَفْقُودُ , قَالَ عُمَرُ: يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ , ثُمَّ تُنْكَحُ. وَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تُنْكَحُ أَبَدًا. وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتٌ أَوْ فِرَاقٌ. - وَقَالَ عُمَرُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَيَبْلُغُهَا الطَّلَاقُ , وَلَا تَبْلُغُهَا الرَّجْعَةُ حَتَّى تَحِلَّ وَتُنْكَحَ: أَنَّ زَوْجَهَا الْآخَرَ أَوْلَى إذَا دَخَلَ بِهَا وَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ لِلْأَوَّلِ أَبَدًا , وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. - وَقَالَ عُمَرُ فِي الَّذِي يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فِي الْعِدَّةِ وَيَدْخُلُ بِهَا: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا. وَقَالَ عَلِيٌّ: يَنْكِحُهَا بَعْدَهُ."

مَسْأَلَةٌ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ": أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ , وَهُمْ: عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مَتَى أَجْمَعُوا عَلَى مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلٍ فَالْأُمَّةُ فِيهَا مُجْمِعَةٌ عَلَى قَوْلِهِمْ غَيْرُ مُبْتَدَعٍ لَا يَعْتَدُّ بِخِلَافِهِ. وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ انْفَرَدَ فِيهَا عَلِيٌّ بِقَوْلٍ عَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ تَبِعَهُ فِيهَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّعْبِيُّ وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ , وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ انْفَرَدَ فِيهَا زَيْدٌ بِقَوْلٍ تَبِعَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي أَكْثَرِهِ. وَتَبِعَهُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ انْفَرَدَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ تَبِعَهُ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَأَبُو أَيُّوبَ. ."

فَصْلٌ أَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْقِيَاسُ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: إذَا تَعَارَضَ قَوْلُ صَحَابِيَّيْنِ وَاعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِالْقِيَاسِ. وَقَدْ سُبِقَتْ عَنْ النَّصِّ. . الثَّانِيَةُ: إذَا تَعَارَضَ قِيَاسَانِ وَاعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ , فَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ تَمِيلُ نَفْسُ الْمُجْتَهِدِ إلَى مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ وَيُرَجَّحُ عِنْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ"وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ بِالْجَزْمِ بِالْمُوَافِقِ انْتَهَى. وَأَنَا أَقُولُ: مَنْ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ بِمُفْرَدِهِ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ يَكُونُ احْتِجَاجُهُ هُنَا بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَمَنْ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسَانِ صَحِيحَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ لَا , فَإِنْ كَانَا كَذَلِكَ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمُرَجِّحٍ فِي الْأَصْلِ أَوْ حُكْمِهِ , أَوْ فِي الْعِلَّةِ , أَوْ دَلِيلِهَا , أَوْ فِي الْفَرْعِ , فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مُقَدَّمٌ , وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ بِالْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ , كَمَا تَرَجَّحَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ الْمُعَارِضَيْنِ بِعَمَلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ الْآخَرِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُرَجَّحًا عَلَى الْآخَرِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا , وَمَعَ الْمَرْجُوحِ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ , وَالِاحْتِمَالُ مُنْقَدِحٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ابْنِ الصَّبَّاغِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِيَاسَ الضَّعِيفَ إذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ , وَذَاكَ هُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَاوَرْدِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رَايَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ إذَا انْضَمَّ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ كَانَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ التَّحْقِيقِ , وَمَثَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُهُ مَا سِوَاهُ , لِأَنَّهُ يُغْتَذَى بِالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ , وَتَحَوُّلِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت