فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 129

عَلِمْتُهُ وَلَمْ تُسَمِّهِ لِي , فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ إذَا وَقَفَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ , فَقَالَ عُثْمَانُ: إنْ لَمْ تَحْلِفْ بِاَللَّهِ عَلَى هَذَا لَزِمَك. وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَقَدْ صَارَ إلَى قَوْلِ عُثْمَانَ , وَإِنَّمَا صَارَ إلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ. وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ أَخَذْنَا بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ"اخْتِلَافُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ"أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى فِي زَلْزَلَةِ رَكْعَتَيْنِ , فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِتُّ سَجَدَاتٍ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَإِنَّمَا سَلَكَ فِي هَذَيْنِ كَسُلُوكِهِ فِي الْأَخْبَارِ بِالتَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ , وَلِهَذَا خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي"الرَّوْضَةِ": إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ , خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْقَائِلِ قَوْلَهُ , لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ وَالْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ , وَلِهَذَا يَرْجِعُ إلَى مُعَاذٍ فِي تَرْكِ رَجْمِ الْمَرْأَةِ قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ , فَإِنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يَزِيدُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَلَوْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدُونِ التَّرْجِيحِ , وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ صَوَابٌ وَالْآخَرَ خَطَأٌ , وَلَا نَعْلَمُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَإِنَّمَا يَدُلُّ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي كِلَا الْقَوْلَيْنِ , أَمَّا عَلَى الْأَخْذِ بِدُونِ مُرَجِّحٍ فَكَلَّا. وَأَمَّا رُجُوعُهُمْ إلَى قَوْلِ مُعَاذٍ فَلِأَنَّهُ بَانَ لَهُ الْحَقُّ بِدَلِيلِهِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقُولُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ , وَسَكَتَ عَنْ عَلِيٍّ , فَرَدَّ عَلَيْهِ دَاوُد وَقَالَ: مَا بَالُهُ تَرَكَ عَلِيًّا , وَلَيْسَ بِدُونِ مَنْ رَضِيَهُ فِي هَذَا , قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَلَا نَظُنُّ بِالشَّافِعِيِّ الْإِعْرَاضَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ , وَلَهُ فِي هَذَا مَقَاصِدُ: مِنْهَا: أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ اكْتِفَاءً , لِأَنَّهُمْ مَعْلُومُونَ بِبَعْضِهِمْ , فَنَبَّهَ عَلَى الْبَعْضِ: وَلِهَذَا قَالَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَالِكٍ , لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , فَقَالَ أَقُولُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ. . . إلَى آخِرِهِ , لِأَنَّ كَلَامَهُ عَلَى مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّاوِيلِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ": أَقُولُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. فَدَلَّ عَلَى مَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَأَرَادَ الثَّلَاثَةَ فِي صُورَةٍ , وَهِيَ مَا إذَا انْفَرَدُوا وَكَانَ عَلِيٌّ حَاضِرًا وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ , وَسَكَتُوا عَمَّا حَكَمُوا بِهِ وَأَفْتَوْا صَارَ إجْمَاعًا. وَحِينَئِذٍ فَيُصَارُ إلَى قَوْلِهِمْ , لِأَنَّ عَلِيًّا مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمْرُ عَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ , إنَّمَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَاخُذُ عَنْهُ , فَلَمْ يَكُنْ فِي سُكُوتِهِمْ لَهُ حُجَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَالْأَشْبَهُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ , وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ". وَقَالَ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِهِ": إنَّهُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُعْظَمَ وَأَرَادَ الْكُلَّ قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ [قَالَ] لَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَمَا لَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِذِكْرِ مَا سَبَقَ , إذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ صَادِرًا عَنْ رَايِ الْكَافَّةِ , بِخِلَافِ مَنْ قَبْلَهُ. تَنْبِيهٌ آخَرُ حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ثَلَاثُهُ أَقْوَالٍ: - سُقُوطُ الْحُجَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ قَوْلٌ مِنْهَا. - التَّخْيِيرُ فَيَاخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ , وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَعْدِلُ إلَى التَّرْجِيحِ , وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الرِّسَالَةِ"فَقَالَ: نَصِيرُ مِنْهَا إلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ , أَوْ كَانَ أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ , وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَخْطِئَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا , وَرُجُوعِ بَعْضِهِمْ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ , وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ وَصَوَابٌ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ": وَإِذَا كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْخُرُوجُ عَنْ أَقَاوِيلِهِمْ , لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَخْرُجَ الْحَقُّ عَنْ جَمِيعِهِمْ , أَوْ يَشْمَلُ الْخَطَأُ كُلَّهُمْ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْ أَقْوَالِهِمْ. وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا حَكَى الْقَوْلَ فِي حَادِثَةٍ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَظَاهَرَ وَاشْتَهَرَ وَلَمْ يُخَالِفْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ , لِعَدَمِ النَّكِيرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت