ومن جحد وجوب الوضوء في الصلاة فقد كفر، ولا خلاف في ذلك؛ وذلك أن الوضوء لا تصح الصلاة إلا به، وما لا يصح الشيء إلا به أخذ حكمه، وهذا بالاتفاق عند العلماء وكان هذا الشيء من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فحكم الوضوء هو كحكم الصلاة من جهة الجحود والنكران، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على الوضوء، حتى إنه كان يتوضأ لكل صلاة كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، قال: وكنا نصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد) ، وكان يحث أصحابه في ابتداء الأمر أن يتوضئوا لكل صلاة، ويأمرهم بذلك عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر الناس بالوضوء لكل صلاة، فلما شق عليهم أمر بالسواك عند كل صلاة) ، وكان عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى يجد قوة ويتوضأ لكل صلاة، حتى إن الصحابة إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاتين أو أكثر بوضوء واحد، فإنهم ربما استنكروا ذلك؛ لأنهم قد اعتادوا من فعله عليه الصلاة والسلام أنه يتوضأ لكل صلاة، كما جاء في عام الفتح حينما فتحت مكة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بوضوء واحد، فأتاه عمر بن الخطاب فقال: (يا رسول الله! إنك صنعت شيئًا لم تكن تصنعه من قبل؟ فقال: عمدًا صنعته يا عمر!) والمراد من ذلك أن الإنسان إذا توضأ بوضوء سابق فإن هذا أمر حسن، إذا لم ينقض وضوءه، وإذا توضأ لكل صلاة فهو أحسن وأتم وأكمل، وهذا مما لا خلاف فيه.