ولهذا يأتي عن جماعة من المفسرين من أهل المدينة من يحكي سبب النزول ولكن لا يبين من نقله عنه, وهذا مرده أيضًا إلى قوة واحتراز ذلك الراوي, وأما الذين يروون أسباب النزول من غير المدنيين والمكيين وهم من أهل الآفاق, فرواياتهم لأسباب النزول معدودة في المطروح والواهي؛ وذلك لبعدهم، خاصة إذا كان سبب النزول ليس موجودًا عند أهل المدينة, وإنما خصصنا أهل المدينة لمعاني: أولًا: أنهم ممن نزل القرآن فيهم, والقرآن إذا نزل يتناقله الناس أن هذه الآية نزلت في كذا وكذا. كذلك أيضًا: أن من نزلت فيه الآية مدعاة لفضله ومنقبته, فإنه يذكر في المجالس أن هذه الآية نزلت في فلان بن فلان, فإذا ذكر أحد المدنيين أن هذه الآية نزلت في فلان بن فلان ولم تنزل فيه, وأحد من أهل المدينة يعلم أن المخبر في ذلك كاذب، فإنهم يتبادرون إلى نفي ذلك أكثر من أن يتبادروا في فتيا يقولها وتكون هذه الفتيا مرجوحة. ولهذا إذا تواتر واستفاض عند العلية من التابعين أن هذه الآية نزلت في فلان بن فلان على سبيل التخصيص، فإن هذا دليل على قوة ذلك إذا لم يوجد من يخالف في هذا الأمر؛ لأن هذا من أمور المناقب والفضل. كذلك أيضًا فإن هذا مما يتعلق بكلام الله عز وجل, والصحابة والتابعون يحترزون في كلام الله ما لا يحترزون في غيره ولو أرسلوا, فإذا عرف الشخص أنه من أصحاب الديانة فنسب شيئًا من أسباب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا أقوى من روايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا قاله أو فعلًا فعله أو هديًا هداه عليه الصلاة والسلام, لأن ذلك يتعلق بكلام الله جل وعلا فأوجب احترازًا. فما يرد من قولهم وهم من أهل الديانة والعدل والثقة والعبادة، فإن قولهم في ذلك يقدم على قول غيرهم من غير ذلك البلد ولو كانوا أعلى طبقة.