الصفحة 45 من 141

ومع ذلك ما كانوا مؤمنين حيثُ لم يُصدِّقوا. وقال تعالى: ?وَجَحَدْوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ? [النمل: 14] ، وقال: ?فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ على الكَافِرِينَ? [البقرة: 89] .

واعلم أنَّ تحقيقَ معنى قولِنا: «الإقرارُ شرطُ إجراءِ الأحكام» هو أن الله تعالى خلقَ الإنسانَ ضعيفًا لا يَستَقِلّ بأمْرِ مَعاشِه، محتاجًا إلى تعاضُدٍ وتعارُضٍ وتعاوُنٍ وتعاوُضٍ (1) ، ولا يتيسَّرُ إلا بتعريف ما في نفسه من المقاصِدِ والحاجاتِ لصاحبه بطريقٍ، كإشاراتٍ أو أمثلةٍ أو كتابةٍ أو ألفاظٍ تكونُ علاماتٍ للمقاصد الباطنة، وكانت الألفاظُ أسهلَ، لأنها أصواتٌ مقطَّعةٌ هي كيفيَّاتٌ مسموعةٌ حادثةٌ من إخراجِ النَّفَسِ الضروريِّ المُمتدِّ من آلةِ التَّنَفّسِ دونَ تكلّفٍ اختياريٍّ يحدُثُ عند الحاجة ويَنعدِمُ عند عَدَمِها، وأفيَدَ لأنها يُعبَّرُ بها عن الموجود والمعدوم والمعقول والمحسوس والغائب والشاهد، بخلاف الإشارة والمثال، إذ لا تُمكِنُ الإشارةُ إلى المعدوم والمعقول والغائب، وليس لكلِّ شيءٍ مثالٌ. فأنعمَ اللهُ تعالى على العباد ولَطَفَ بهم بإحداثِ الموضوعاتِ اللغويَّةِ بأن وضعَ الألفاظَ بإزاءِ المعاني ووقَّفهم (2) عليها أو بإحداث قُدرتِهم عليها على اختلاف الرأيَينِ، ليتوصَّلوا بها إلى تحصيل مقاصدهم (3) .

(1) التعاضد: إعانة البعض بعضًا وإعطاء القوة، والتعارض: طلب المعارضة وفعلها وهو ضد التسليم، والتعاون: المساعدة، والتعاوض: إعطاء العِوَض. اهـ من حاشية (ب) .

(2) المثبت من (ص) و (ب) ، وتحرَّفت في (ف) إلى: «ووفّقهم» .

(3) وفيه أن اللغات ــ سواء كانت توقيفية أو وضعية ــ إنما يحتاج إليها المُتكلم =

= للتعبيرعما يُريد أن يتكلم به، وهذا من سمات الاحتياج وعلامات الضَّعف التي يجب أن يُنزَّه عنها الخالقُ سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت