الصفحة 44 من 141

وأما أنه ليس المعرفةُ وحدها، فيدلّ عليه قوله تعالى: ?الذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ? [البقرة: 146، الأنعام:20] ، فإنَّ أهلَ الكتاب كانوا يعرفون النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنَعتِه ومَبعَثِه واسمِه معرفةً جليَّةً يُميِّزون بينه وبين غيره بالوَصْفِ المعيّن المشخّص، كما يعرفون أبناءهم لا يَشتَبِهُ عليهم أبناءُهم مِن بين الصِّبيان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، قال عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سَلَام: قد أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: ?الذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ? [البقرة: 146، الأنعام:20] ، فكيف ــ يا عبدَ الله ــ هذه المعرفةُ؟ فقال عبدُ الله بنُ سلام: يا عمرُ، لقد عرفتُه حينَ رأيتُه كما أعرِفُ ابني إذا رأيتُه مع الصِّبيان يَلعَبُ، وأنا أشَدُّ معرفةً بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم منِّي بابني. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وكيف ذلك يا ابنَ سلام؟ قال: لأني أشهَدُ أن محمَّدًا رسولُ الله حقًَّا ويقينًا، وأنا لا أشهَدُ بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدَثَ النِّساءُ، فلعلَّ والدتَه قد خانَتْ. فقبَّلَ عمرُ رضي الله تعالى عنه رأسَهُ، وقال: وفَّقَك اللهُ يا ابنَ سَلَام، فقد صَدَقتَ وأصَبْتَ (1)

(1) أخرجه الثعلبي ــ كما في «الدر المنثور» للسيوطي 1: 357 ــ من طريق السُّدِّيِّ الصغير، عن الكلبي، عن ابن عباس. قلنا: والسُّدِّيّ الصغير ــ واسمه محمد بن مروان ــ والكلبي ــ وهو محمد بن السائب ــ متهمان بالكذب، وبين الكلبي وابن عباس مفاوز.

وأخرج الطبري في «تفسيره» 7: 165 عن ابن جُريج قال: زعم أهلُ المدينة عن =

= أهل الكتاب ممَّن أسلم أنهم قالوا: والله لنحن أعرفُ به من أبنائنا من أجل الصِّفة والنَّعت الذي نجدُه في الكتاب، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدَثَ النِّساءُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت