بـ (استقرّ) أو (كَانَ) أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فيقول المُفَسِّر: إذا قلتَ: مَنِ استقرَّ فِي السَّماوَات أو مَن كَانَ فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلَّا الله؛ لَزِمَ أن يَكُون الله تَعَالَى فِي السَّماوَات، فيَكُون له مكان، وهَذَا عِنْدَهم مُمْتَنِع، أي: عند المُفَسِّر ومن كَانَ عَلَى عَقِيدَتِهِ، هَذِهِ واحدةٌ.
ثانيًا: نَقُول له: إذا كَانَ الاستثناءُ مُنْقَطِعًا، فالمعروف أن الاستثناءَ المنقطِع إذا سُبِقَ بتامٍّ منفيٍّ يَجِب فِيهِ النصبُ، كما قَالَ ابن مالك فِي الألفيَّةِ (1) :
... وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ ... وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ
فالمشهورُ عندَ العرب أَنَّهُ إذا كَانَ الاستثناءُ منقطعًا وجبَ فِيهِ النصبُ، وهنا لَيْسَ منصوبًا، فقال: نحن نجعلُ الجملةَ لا دخلَ لها بالاستثناءِ، ونجعل {اللَّهُ} مبتدأ والخبر محذوف؛ لأجل أن لا نخالفَ المشهورَ من كلامِ العربِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن بلسانِ قريشٍ وَلَيْسَ بلسانِ بني تميمٍ.
بعض العُلَماء يَقُول: نحن نتخلَّص ممّا فرّ منه المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ عدمِ إثباتنا المكان لله بأن نَقُول: لا يعلم مَن يُذْكَر فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلَّا الله، لا نَقُول: ما استقرّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى مذكور فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْضِ، وحينئذٍ يزول الإشكال الَّذِي من أجلِه قَطَعَ المُفَسِّر الاستثناءَ.
والخلاصة: أن الاستثناء هنا متَّصل، وأن الله تَعَالَى له مكان، وأن مكانه فِي السَّمَاء، وقد سأل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الجاريةَ فقال لها:"أَيْنَ اللهُ؟"فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ (2) ،
(1) ألفية ابن مالك - الاستثناء (ص: 31) .
(2) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كَانَ من إباحة، حديث رقم (537) ، عن معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه -.