فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 719

وَمِنْ أَقْوَاهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ آثَارُ التَّعْزِيَةِ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقد ذكر ابْن عبد الْبر فِي تميهده [1] عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوَفِّي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُجِّيَ بِثَوْبٍ هَتَفَ

هَاتِفٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} . إِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ تَالِفٍ، وَعَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَة فبالله فتقوا، وإياه فارجو، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ، فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَعْنِي أَصْحَابَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ.

قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى حَيَاةِ الْخَضِرِ بِآثَارِ التَّعْزِيَةِ كَهَذَا الْأَثَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فِي بَقَاءِ الْخَضِرِ إِلَى الْآنِ، ثُمَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلَيْنِ، وَمَالَ هُوَ وَابْنُ الصَّلَاحِ إِلَى بَقَائِهِ. وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٍ عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ. وَجَاءَ ذِكْرُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَأَشْهَرُهَا حَدِيثُ التَّعْزِيَةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ اهـ. مِنْهُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ أَنَّ حَدِيثَ التَّعْزِيَةِ صَحِيحٌ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وَلَا عِرْفَانًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُعَزِّي هُوَ الْخَضِرُ. بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْخَضِرِ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ. لِأَنَّ الْجِنَّ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} . وَدَعْوَى أَن ذَلِك المعزي هُوَ الْخضر تحكم بل دَلِيلٍ. وَقَوْلُهُمْ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ الْخَضِرُ لَيْسَ حُجَّةً يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا. لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْطِئُوا فِي ظَنِّهِمْ، وَلَا يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى إِجْمَاعٍ شَرْعِيٍّ مَعْصُومٍ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنه الْخضر كَمَا ترى.

(1) - التَّمْهِيد (2/162) بِدُونِ إِسْنَاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت