فَكَانَ الْقَسَمُ فِي الْعَصْرِ عَلَى الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، أَنْسُبُ مَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا، إِذْ جُعِلَتْ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ
كَسُوقٍ قَائِمَةٍ وَالسِّلْعَةُ فِيهِ الْعَمَلُ وَالْعَامِلُ هُوَ الْإِنْسَانُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «سُبْحَانَ اللَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ» ، وَفِيهِ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» [1] ، فَإِنْ كَانَ يَشْغَلُ عُمُرَهُ فِي الْخَيْرِ فَقَدْ رَبِحَ، وَأَعْتَقَ نَفْسَهُ وإلاَّ فَقَدْ خَسِرَ وَأَهْلَكَهَا.
وَيُشِيرُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ} .
فَصَحَّ أَنَّ الدُّنْيَا سُوقٌ، وَالسِّلْعَةُ فِيهَا عَمَلُ الْإِنْسَانِ، وَالْمُعَامَلَةُ فِيهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، فَظَهَرَ الرَّبْطُ والمناسبة مَعَ الْمقسم بِهِ، والمقسم عَلَيْهِ.] [2] .
[قَوْله: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَيْ لَا يُرَائِي النَّاسَ فِي عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ لِأَجْلِ رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَوْعِ الشِّرْكِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرِّيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ. وَقَدْ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ. وَقَدْ سَاقَ طَرَفَهَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} أَعَمُّ مِنَ الرِّيَاءِ وَغَيْرِهِ، أَي
(1) - صَحِيح مُسلم (1/203) (223) من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ، وَلَفظه: قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم الطّهُور شطر الْإِيمَان وَالْحَمْد لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تملآن (أَو تملأ) مَا بَين السَّمَاوَات وَالْأَرْض"
وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَََقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاس يَغْدُو فَبَايع نَفسه فمعتقها أَو موبقها""
(2) - 9/69: 74، التكوير / 15: 19، وَانْظُر (1/372 - 373) (النِّسَاء/127) ، (8/686 - 687) (المرسلات/7) .