مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ الْخَضِرِ، وَقَدْ بيَّن جلَّ وَعَلَا الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ على خُصُوص الْخَمْسَة الَّذين هم أُولوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فِي سُورَةِ «الشُّورَى» ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} .] [1] .
[فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، إِشْكَالٌ قَوِيٌّ مَعْرُوفٌ. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّه» [2] ، وَثَبَتَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ [3] ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّه» [4] ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ» [5] .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْكِلَةٌ، وَالْأَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تخَيرُوا بَين الْأَنْبِيَاء وَلَا تفضلوا بَين
(1) - 6/572، الْأَحْزَاب/7.
(2) - أخرجه البُخَارِيّ (2/849) (2280) ، وَمُسلم (4/1843) (2373) .
(3) - أخرجه البُخَارِيّ (2/850) (2281) ، وَمُسلم (4/1845) (163- 2374) .
(4) - أخرجه البُخَارِيّ (3/1254) (3233) ، وَمُسلم (4/1843) (159-2373) من حَدِيث أَي هُرَيْرَة - رَضِي الله عَنهُ - بِهِ.
(5) - أخرجه البُخَارِيّ (4/1700) (4362) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهِ.