"الرقص كذلك تعبير جميل يصور معنى خاصًا بما تنطوي عليه النفس البشرية .. إلى أن قال: ولا ننكر أن في الغرب رقصًا يعبر عن معانٍ أخرى كريمة" (6) .
وفي المجال التطبيقي لهذه القناعة في الغناء والرقص أسس الترابي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات فرقة غنائية موسيقية مكونة من فتيان وفتيات سماها"نمارق"، وأحيت نمارق الترابي حفلات غنائية مختلطة، وفي مثل هذه الأجواء لابد من اختلاء الشباب مع الشابات، وهذا الاختلاء يقود حتمًا إلى مفاسد كثيرة، وإثم ذلك كله في ذمة المفتي الدكتور في الحقوق الدستورية من جامعة السوربون حسن الترابي.
بين يدي وأنا أعد هذا البحث تقرير رفعه أحد الطلبة النشيطين في جامعة الخرطوم للمسؤولين عن تنظيمه في الجامعة يبيّن فيه أسباب استقالته من الجماعة الإسلامية التي يتزعمها الترابي، وكان مما جاء فيه:
"13 - (7) الدعوة الخبيثة لاقتحام مجال الفن وتسخيره لعبادة الله، مستغلًا جهل الناس بعلوم دينهم مزينًا دعواه بالفهوم الخاطئة والروايات الموضوعة عن الغناء والرقص والتمثيل .. مما أدى لظهور الذين يجيدون الغناء وقراءة النوتة الموسيقية أكثر من قراءة القرآن".
وفي موضع آخر من تقريره يقول:
"أصبحت قضية الغناء هي المشكلة التي تواجه الدولة الإسلامية المرتقبة، فكثر المتخصصون في الحديث عنه، وتكونت شعبة الموسيقى والمسرح لتعليم الفتيات النوتة الموسيقية قبل علوم الدين الأساسية، وتعددت الرسائل التي تناقش قضايا الفن والغناء والرقص في الوقت الذي يجهل فيه الناس علوم دينهم." (8) . ولنا عودة إلى هذا التقرير مرة أخرى إن شاء الله.
تعليق:
1 -أُرْجِئ الحديث عما قاله الترابي عن الاتحاد والفناء في ذات الله إلى موضع آخر.
2 -عندما سمعت لأول مرة الحديث عن اهتمام الترابي بالفن، وأنه يعتبره قسمًا من أقسام التوحيد والعقيدة الإسلامية، ظننت أن هذا القول صورة من صور التشنيع على الرجل، وذَكَّرْتُ المتحدث بالله، وعندما أصرَّ على قوله. قلت له:
ما علاقة الفن والرقص بالعقيدة، أوَ يقول ذلك عاقل؟ *!، وإن قاله كيف يقبل المسلمون الذين يتبعونه هذا القول؟، ثم يبقى قائله زعيمًا ومنظرًا لنظام إسلامي - كما يدعون -، وأخيرًا اقتنعت بما قاله محدثي، وعش رجبًا ترى عجبًا.
3 -اشتراكية الإسلام .. ديمقراطية الإسلام، هذا ما قيل قبل ستة عقود، ويقول الترابي اليوم: الفن الإسلامي .. الرقص الإسلامي .. ماذا سُيقال غدًا: هل يقال علمانية الإسلام؟، أجل، لقد قال الترابي شيئًا من هذا كما سيأتي الحديث.
4 -إنني أعترف بأنه استفزني بقوله:"فقه العقيدة الموروث الذي نشأنا عليه لا يجعل الفن شعبة من شعاب إيماننا وتوحيدنا"، ولهذا فهو يطالب بتربية إيمانية تأصيلية تعمل على إدخال الفن في صلب العقيدة!!، ترى من يخاطب هذا الرجل؟ لا أشك أنه سيندحر ويندحر معه رقصه وموسيقاه والوتر الذي تاب - حسب قوله - وتبقى لنا عقيدتنا سالمة من التغيير والتشويه والتبديل.
خامسًا: الترابي: لست سنيًا ولا شيعيًا:
وعن موقفه من السنة والشيعة يقول:
"كنت أتحدث في مؤتمر مع مسلمين وعرب في المؤتمر العربي والإسلامي. قلت لهم: .. أنا لست سنيًا ولا أدرك ما معنى السني والشيعي. إذا اختلفنا على مرشحين اثنين للخلافة الراشدة الثالثة، فصوت بعضهم لهذا وصوت آخرون لذلك. فتلك أمة قد مضت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فهل نشق التاريخ الإسلامي إلى يوم القيامة."
كذلك المذاهب، ما أحسب أن مالكًا أو أبا حنيفة أو الصادق قد قدروا أنهم أسسوا مذهبًا يستمر إلى يوم القيامة. لقد اجتهدوا ليومهم وربما حسبوا أن اجتهادهم لا يزيد على أن يستمر لسنوات، ثم يأتي مجتهدون جدد يجددون الدين ويواجهون مشكلات جديدة. لكنا بقينا أسرى اجتهادهم. حتى أهل الصوفية أرادوا أن يدخلوا معاني داخلية للدين لا معاني ظاهرية فقط، فاتخذناها طرقًا إلى يوم القيامة: كالقادرية، والنقشبندية، و … الخ. لهؤلاء جميعًا أقول: تعالوا نتوحد"."
هذا ما قاله الترابي لصحيفة المحرر [في 1/ 8/94] ، أما ما قاله في أحد مؤتمرات الطلبة العرب المسلمين في أمريكا:
"ليس صحيحًا أن التراث السني والشيعي متباينان هذا التباين، فكتاب الشوكاني دليل لنا رغم أنه شيعي زيدي، وما يجمع المسلمين أكثر مما يفرقهم، فما يجمعهم 95% وما يفرقهم 5%."
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)