فأما إيجاب الفدية (8) به وضمانه [من] الصيد (9) وتحريم نظره على الأجنبي؛ فلما يتعلق بجملة البدن من إزالة جماله وتأذي الصيد بترويعه وإثبات اليد عليه، وهو ممتنع، والافتتان بالمرأة، ولهذا لو انفصل شعر المرأة؛ جاز النظر إليه على كلام أبي الخطاب في"الانتصار"، وحكى صاحب"التلخيص"فيه وجهين (10) .
* كتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائد (قواعد ابن رجب) ، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، ط دار ابن عفان، الطبعة الثانية 1419 هـ، أثبتَ في الحاشية شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - على الكتاب، وذلك بتفريغ ما أملاه على مواطن عديدة منه ثم قام بتوزيعها على مواطنها من الكتاب ووضع علامة (ع) عقب كلامه - رحمه الله - وهو ما نُقل من الحاشية في هذا الهامش فقط، (القاعدة الثانية: ص: 10 - 16) .
(1) المذهب أنه إذا مسها بشهوة انتقض وضوؤه، ولكن إذا مسها بشعره أو بظفره، أو مسّ شعرها أو ظفرها لم ينتقض؛ لأن الشعر في حكم المنفصل، وكذلك الظفر، وقيل: لا ينتقض من مأخذ آخر، وهو أن هذه الأجزاء ليست محلًا للشهوة الأصلية، وهذا التعليل فيه نظر، والصحيح خلاف هذا، بل الشعر يكون محلَّ شهوةٍ، والصحيح عدم النقض.
(2) المذهب المشهور: أن ما انفصل من الحيوان - ولكن بشرط أن يكون طاهرًا في الأصل -؛ فهو طاهر، وما انفصل من حيوان نجس؛ فهو نجس؛ فشعر الكلاب مثلًا نجس؛ لأنه انفصل من حيوان نجس، وشعر الهر وشعر الشاة وما أشبهها طاهر، وشعر الآدمي طاهر، وكذلك الظفر.
(3) ما استرسل من الشعر متجاوزًا لمحل الفرض لا يجب غسله في الجنابة ولا في الحدث الأصغر؛ لأنه في حكم المنفصل، هذا قول.
وهناك قول آخر: أنه يجب، ولكن تعبدًا أن يغسل في الجنابة، والذين قالوا بوجوب غسله في الجنابة يمكن أن يعللوا بتعليل آخر، وهو أنه تابع للرأس؛ فوجب غسله.
أما في مسألة الوضوء؛ فإنَّ ما تجاوز محل الفرض لا يجب مسحه، وظاهر كلام المؤلف حتى في اللحية، وهذا خلاف المشهور، وهو أن شعر اللحية يجب غسله، ويعللون ذلك بأن الوجه مأخوذ من المواجهة، ومسترسل اللحية تحصل به المواجهة، بخلاف الرأس؛ فإنه مأخوذ من الترأس وهو العلو، وما استرسل من شعره ليس من ذلك، لا شك أنَّ غسل ما استرسل من الشعر احتياطًا أفضل، وهو ظاهر المذهب، هذا في الجنابة، أما في الحدث الأصغر؛ فما استرسل من الشعر فلا يجب مسحه.
(4) فإذا كان ما استتر بشيء من غير الخلقة؛ لم يجب غسله، فمن باب أولى أنَّ المستتر بشيء من أصل الخلقة لا يغسل.
(5) المشهور من المذهب أن إيصال الماء إلى ما تحت الشعر في غسل الجنابة واجب، وفي الحدث الأصغر غير واجب، ويقال - بزيادة تفصيل:
إن ما تحت الشعر باعتبار وصول الطهور إليه ينقسم ثلاثة أقسام:
الأول: في الجنابة، فيجب إيصال الماء إلى ما تحته خفيفًا كان أو ثقيلًا.
الثاني: في طهارة التراب (التيمم) لا يجب إيصال التراب إلى ماتحته سواء كان في الجنابة أو في الحدث الأصغر، خفيفًا كان أو كثيفًا.
الثالث: في الوضوء، ففيه تفصيل: فإن كثيفًا؛ لم يجب إيصال الماء إلى ما تحته، وإن كان خفيفًا؛ وجب إيصال الماء إلى ما تحته؛ فصار عندنا شيئان مطلقان، وواحد فيه التفصيل، المطلقان هما: غسل الجنابة: يجب إيصال الماء إلى ما تحته مطلقًا، والتيمم: لا يجب مطلقًا، أما إذا كان وضوءً؛ ففيه تفصيل: إن كان خفيفًا؛ وجب الإيصال، وإن كان كثيفًا، لم يجب.
هذه هي قاعدة المذهب في الشعر بالنسبة إلى إيصال الماء إلى ما تحته أو إيصال الطهور.
(6) وقال الشيخ ابن عثيمين [- رحمه الله -] :"إذا قال: شعرك طالق؛ لم تطلق، وإذا قال: ظفرك طالق؛ تطلق؛ لأن [الأول] في حكم المنفصل، [والثاني] في حكم المتصل".
(7) رجل له جيب واسع، وعليه قميص، فإذا ركع بدت عورته، ولكن له لحية كثيفة تستر هذه الفتحة من القميص؛ فهل يجزيء؟
نعم يجزيء؛ وإن كانت متصلة به؛ لأنها في حكم المنفصل وفي الإحرام كذلك، مع أنه قرر في كتاب الحج أن الستر بالمتصل كاليد لا تجزىء ولكن الصحيح أن اليد متصلة حقيقة وحكمًا، فمن غطّى رأسه بيده وهو محرم؛ فليس عليه فدية؛ فلا يشملها قول الرسول عليه الصلاة والسلام:"لا تخمّروا رأسه"، ولا يعد هذا تخميرًا، ثم إنّ هذا خلاف ما يدل عليه اللفظ في العادة، ولذلك لو أنَّ رجلًا حمل متاعه على رأسه لا فدية عليه.
(8) والمراد: إذا حلقه في الإحرام.
(9) أي: نتف ريش الصيد؛ فهل يضمن؟
نعم، يضمن؛ أي: نتف ريش صيدٍ - والريش في حكم المنفصل - وهو محرم، فإن الصيد يروعه نتف ريشه، فكان كقتله؛ فيضمن لأجل ذلك لأنه لا يمكن أن يطير، ولهذا قال:"تأذى الصيد بترويعه وإثبات اليد عليه"؛ لأنه لا يستطيع ان يطير، فيمسك.
(10) من هذا أيضًا شعر المرأة المنفصل، أما إذا كان متصلًا بها؛ فهو يحرم النظر إليه؛ لأن النفس تتعلق بالمرأة نفسها، فلو فُرض أن امرأة على كرسي هو لا يراها، ولكن شعرها قد نفشته على المسند الذي وراءها وهو يرى الشعر فقط؛ فهل يجوز النظر إليه أم لا يجوز؟
يقول المؤلف: لا يجوز؛ لأنه متصل بالمرأة التي هي محل الشهوة، لكن لو أنها قصت شعرها وألْقته في السوق، وجاء رجل يريد أن ينظر إلى هذا الشعر؛ يجوز أم لا؟ وهل يجوز ولو بشهوة؟
نفصل في هذا الأمر:
إذا كان شعر امرأة معينة؛ فإنه لا يجوز النظر إليه بشهوة؛ لأنه يتذكرها وتتعلق نفسه بها.
أما إذا كان شعر امرأة غير معينة؛ فهذا يكون تعلق الشهوة به كتعلق الشهوة بالمرأة مطلقًا، وكل إنسان تتعلق شهوته بالنساء عند تذكرهن؛ فهذا لا يؤثر شيئًا، هذا هو التفصيل في هذه المسالة.
والمؤلف ذكر فيها وجهين، والصواب أن نقول: إن هذين الوجهين يتنزلان على حالين: إنْ كان شعرَ امرأةٍ معينّةٍ يحرم النظر إليه شرعًا، وإلا؛ فلا بأس.