قلت: هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: الانقطاع بين إبراهيم النخعي وعبد الله بن مسعود.
الثانية: جهالة زياد.
قلت: وله طريق آخر موصولًا، أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" (3/ 405) : أَخْبَرْنَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى تَوْبَةَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ حَاتِمٍ الآمُلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي زَائِدَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّخَعِيَّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
(( الْكَافُورُ يُوضَعُ عَلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ ) ).
قلت: وهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ لجهالة"زائدة"- هكذا وقع عند البيهقي، وعند ابن أبي شيبة"زياد"-، وهذا على احتمال ترجيح وصل الحديث، وإلا ففي الإسناد من لم أجد له ترجمة.
فالخلاصة: أنه هذا الأثر لم يثبت عن عبد الله مسعود، والله أعلم.
[ثانيًا] : الإمام الثقة فقيه أهل الكوفة إبراهيم بن يزيد النخعي:
قال ابن أبي شيبة في"المصنف" (2/ 460/11020) : حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم قال:
(( تجمر ثيابه، وحنوطه على مساجده ) ).
قلت: وهذا إسناد حسن.
وقال ابن أبي شيبة في"المصنف" (2/ 460/11022) : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال:
(( إذا فرغ من غسله تتبع مساجده بالطيب ) ).
قلت: وهذا إسناد صحيح.
[ثالثًا] : الإمام العالم الثقة الفقيه عالم أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب:
قال عبد الله بن وهب - كما في"المدونة" (1/ 187) : حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أن السنة إذا حنط الميت أن يذر حنوطه على مواضع السجود منه السبعة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، ولا يضر اختلاط ابن لهيعة؛ فقد رواه عنه عبد الله بن وهب؛ وهو ممن روى عن ابن لهيعة قبل الاختلاط.
أقوال أصحاب المذاهب في هذه المسألة:
أولًا: أقوال الشافعية:
1 -قال الشافعي في"الأم" (1/ 265) : [وإذا حنط الميت وضع الكافور على مساجده، والحنوط في رأسه ولحيته] .
2 -وقال المزني - كما في"الاستذكار" (3/ 25) : [لا خلاف بين العلماء أنه يوضع الحنوط على مواضع السجود، فإن فضل فرأسه ولحيته مع مساجده، فإن فضل فمغابنه، فإن اتسع الحنوط فحكم جميع جسده في القياس واحد إلا ما كان من عورته التي كان يسترها في حياته، وإن عجز الكافور استعين بالذريرة، ويسحق معها حتى يأتي على جميعه] .
3 -وقال الإمام النووي في"المجموع" (5/ 154) :
[ويجعل الحنوط والكافور على قطن، ويترك على مواضع السجود؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يتتبع بالطيب مساجده، ولأن هذه المواضع شرفت بالسجود فخصت بالطيب] .
وقال أيضًا في"روضة الطالبين" (2/ 113) : [ويجعل الطيب على مساجده - وهي الجبهة والأنف وباطن الكفين والركبتان والقدمان -، فيجعل الطيب على قطن ويجعل على هذه المواضع، وقيل يجعل عليها بلا قطن] .
ثانيًا: أقوال الحنابلة:
1 -قال الإمام ابن قدامة في"المغني" (2/ 170) :
[ويترك على مواضع السجود منه لأننها أعضاء شريفة] .
وقال أيضًا (2/ 171) :
[ويتبع بالطيف من المسك والكافور مواضع السجود لأنها أعضاء شريفة] .
2 -وقال البهوتي في"شرح منتهى الإرادات" (1/ 355) :
[ويجعل منه على مواضع سجوده جبهته ويديه وركبتيه وأطراف قدميه تشريفا لها] .
ثالثًا: أقوال الحنفية:
1 -قال أبو يوسف القاضي - كما في"الاستذكار" (3/ 25) : [أجمع أصحابنا أن يوضع الحنوط في رأسه ولحيته ويوضع الكافور على مواضع السجود] .
2 -وقال محمد بن الحسن الشيباني في"الحجة" (1/ 349 - 350) : [ثم تضع الحنوط في لحيته ورأسه، وتضع الكافور إن كان على مساجده] .
وقال أيضًا"المبسوط" (1/ 420) : [ثم تضع الحنوط في لحيته ورأسه، وتضع الكافور على مساجده، وإن لم يكن كافور لم يضره] .
3 -وقال السرخسي في"المبسوط" (2/ 60) :[ (قال) : (ثم يوضع الحنوط في لحيته ورأسه ويوضع الكافور على مساجده يعني جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه) :
لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء فتخص بزيادة الكرامة، وعن زفر رضي الله عنه قال يذر الكافور على عينيه وأنفه وفمه لأن المقصود أن يتباعد الدود من الموضع الذي ينثر عليه الكافور وإنما تخص هذه المخارق من بدنه بالكافور لهذا] .
4 -وقال الكاساني في"بدائع الصنائع" (1/ 308) :
[ويوضع الكافور على مساجده يعني جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: وتتبع مساجده بالطيب يعني بالكافور.
ولأن تعظيم الميت واجب ومن تعظيمه أن يطيب لئلا تجيء منه رائحة منتنة وليصان عن سرعة الفساد وأولى المواضع بالتعظيم مواضع السجود].
[خلاصة البحث] : لم يرد حديث صحيح عن النبي في هذه المسألة، ولكن الذي عليه السلف وجميع المذاهب المتبوعة أنه يستحب تطييب مواضع السجود وإن توفر الطيب فيعمم به جميع البدن، والله أعلم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)