و فقدته دواوين الكتاب ففقدت كاتبا فحل الأسلوب، جزل العبارة، لبقا بتوزيع الألفاظ على المعاني، طبقة ممتازة في دقّة التصوير و الإحاطة بالأطراف و ضبط الموضوع و الملك لعنانه.
و فقدته مجالس النظر و الرأي ففقدت مِدْرَهًا لا يباري في سوق الحجة و حضور البديهة و سداد الرمية و الصلابة في الحقّ و الوقوف عند حدوده.
و فقدته جمعية العلماء ففقدت ركنا باذخا من أركانها، لا كلاّ و كلاّ، بل ناهضا بالعبء، مضطلعا بما حمّل من واجب، لا تؤتى الجمعية من الثغر الذي تكل إليه سدّه، و لا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسه و فقدت بفقده علما كانت تستضيء برأيه في المشكلات، فلا يري الرأي في معضلة إلاّ جاء مثل فلق الصبح"."
و قال:"يشهد كلّ من عرف مباركا و ذاكروه أو ناظره >أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ و عوارض الإجتماع، أنّه يخاطب منه عالما أيّ عالم، و >أنّه يناظر منه فحل عراك و جدل حكاك، و أنّه يساجل منه بحرا لا تخاض لجّته و حبرا لا تدحض حجّته، و أنّه يرجع منه إلى عقل متين و رأي رصين و دليل لا يضلّ و منطق لا يختلّ، و قريحة خصبة، و ذهن لا نختلف في هذا""البصائر العدد 26".
و أثنى عليه غيره أيضا:
قال الأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله تعالى:"كنت أكنّ لمبارك الميلي العلامة الجليل احتراما عظيما و تقديرا كبيرا، وحبا جمّا، إنّه الرجل المثالي الحرّ الأبيّ الذي وضع حياته كلّها - منذ رجع من الزيتونة عالما جليلا - في خدمة دينه و شعبه مدرّسا و محاضرا و مفكّرا عميقا و مرشدا نصوحا."
كان نحلة منتجة لا تراها إلا ساعية وراء رحيق زهرة، أو واضعة مع جماعتها عسلا شهيا.
هكذا كان منذ عرفته سنه 1925م إلى أن فرّق الحِمام بين جسمينا، و لم يفرّق بين روحينا، و إنّي لأشعر بوجود مبارك الميلي يملأ الفراغ الذهني و يثبت كيانه في علم الفكر.
رحمك الله يا مبارك، و طيّب ثراك، و خلّد ذكراك"."حياة كفاح 2/ 209""
و قال العلامة الفقيه أحمد حماني رحمه الله تعالى: " العلامة الجليل مبارك بن محمد الميلي رحمه الله، أكبر تلاميذ الأستاذ ابن باديس و مدرسته علما و فضلا و كفاءة، و احمد علماء الجزائر و بناة نهضتها العربية الإصلاحية الأفذاذ، و أوّل من ألّف للجزائر باللغة العربية و العاطفة الوطنية تاريخا قوميّا وطنيّا نفيسا"."انظر صراع بين السنة و البدعة".
منقول ..