النبي يمشي، وسيدنا عقبة راكب؛ ثم ما لبثت أن نزلتُ عنها، وركب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال لي: يا عقبة، ألا أعلِّمك سورتين لم يُرَ مثلهما قط؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني .. (سورة الفلق) و (سورة الناس) ثم أُقيمت الصلاة، وتقدَّم وصلّى بهما، وقال: اقرأْهما كلّما نِمْتَ، وكلّما قمتَ، هذا توجيه النبي، اقرأهما كلّما نمت، وكلّما قمت، قال عقبة: فما زلت أقرأهما ما امتدت بي الحياة، قبل أن أنام .. (سورة الناس) و (سورة الفلق) إذا نام وإذا استيقظ، جعل عقبة همه، في أمرين اثنين، العلم، والجهاد، وانصرف إليهما بروحه، وجسده، وبذل لهما من ذاته أسخى البذل، وأكرمه.
أما في مجال العلم، فقد جعل يعبُّ من مناهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فكلّ أخ يحضر مجلس علم، فلا بد أنْ يتعلم، فاكتسِبْ لقب طالب علم، عندنا وهْمٌ مؤلم جدًا، أنّ فلانًا ليس معه شهادة، مَن قال لك ذلك؟ هذا الذي حضر أكثر مِن عشر سنوات، كل أسبوع أربعة دروس أو خمسة، درس تفسير، ودرس فقه، درس حديث، ودرس سيرة، هذا صار عالم، لأنه يتعلم، ثم هذه المعلومات، تتراكم، تتراكم، تتراكم، والدليل سلوكه، أديب، أخلاقي، وفيّ، صادق، مستقيم، عنده حياء، منصف، هذه الأخلاق كلُّها من هذا العلم. وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ * (سنن الدارمي: رقم"316")
يجب ألاّ تقللوا من قيمة حضور الدروس في المساجد، هذه المساجد جامعات، لكن من نوع آخر، لا تحتاج لرسم دخول، ولا في نهايتها امتحانات كتابية، الامتحان في المسجد التطبيق، إذا طبَّقت نجحت، وإذا لم تطبق لم تنجح، ما هي الجامعة؟ مقعد، وأستاذ، وسبورة، وحديث، وكتاب، هذه هي الجامعة، والجامع يؤدِّي الدورَ نفسه، دينٌ، وعلمٌ، لكن المسجد يرقى بنفسه ويهذبها.
فهذا الصحابي الجليل، جعل همه في أمرين اثنين: العلم، والجهاد، وانصرف إليهما، بروحه، وجسده، وبذل لهما من ذاته أسخى البذل وأكرمه. أما في مجال العلم فقد جعل يعبُّ من مناهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .. الثرَّة العذبة، حتى غدا مقرئًا. واللهِ حينما يطلب مني أخٌ أن يتعلّم التجويد، صدقوني يكبر في عيني كثيرًا، لأنك أنت مسلم إنْ قدموك إلى الصلاة، فأسقطتَ حكمين أو ثلاثة، أسقطْتَ إدغامًا، أو غنة، ينتقدك المصلون، فتعلّم، وكلما كان السن أصغر كان أثرَ العلم أكبر، وكلما كبر الإنسان فتعلُّمه كالكتابة على الماء، لأنّ إمكانية التلقِّي والتعلم تتناقض مع تقدُّم السنّ، فتعلّم التجويد، ماذا يشغلك، احفظ من كتاب الله بعض السور، وقمْ بعدد من المذاكرات مع إخوانك في القرآن الكريم، قراءة، وتجويدًا، وحفظًا، هذا تجده في ساعاتٍ عصيبة، ويصبح القرآن مؤنسًا لك.
ترك الغنيمات وتبع النبي عليه الصلاة والسلام، فصار، مقرئًا، محدثًا، فقيهًا، فرضيًا، ومعنى فرضي، أي عالمًا بالفرائض، أي علْم المواريث، أديبًا، فصيحًا، شاعرًا، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الكريم، وكان إذا ما سجى الليل، وهدأ الكون، انصرف إلى كتاب الله تعالى، يقرأ من آياته البيِّنات، فتصغي إلى ترتيله أفئدةُ الصحابة الكرام، وتخشع له قلوبهم، وتفيض عيونهم بالدمع من خشية الله.
سيدنا عمر دعاه، يومًا، وقال له: اعرضْ عليَّ شيئًا من كتاب الله يا عقبة، أسمعني، فقال: سمعًا وطاعة يا أمير المؤمنين، وجعل يقرأ له ما تيسر من آيِ الذكر الحكيم، وعمر يبكي، حتى بللت دموعُه لحيتَه، وقد ترك عقبة مصحفًا، مكتوبًا بخط يده. كان كاتبًا، والكتابة نادرة وقتئذٍ، ترك الغنمات، لكن إياكم أن تدعوا أعمالكم، لا، والله لا أقول هذا، لكن أنا أخاف أن يستهلك العملُ صاحبَه، أنا لا أدعوكم أبدًا أن تدعوا أعمالكم، لكن لا تسمح لعملك أنْ يستهلك كل وقتك، أنت إنسان، أنت مخلوق لعبادة الله عزَّ وجل، لمعرفة الله، لا تفهم مني مرةً ثالثة، أن تدع العمل، ولكن افهمْ مني ألاّ تسمح لمهنتك أنْ تقضيَ عليك، ألاّ تسمح لبيتك أن يلهيك، البيت له وقت، والعمل له وقت، وهناك وقت لله عزَّ وجل، وهذا الوقت مقدَّس، لا أعتدي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)