وأما الشيخ العلاَّمة محمد بن إبراهيم - رحمه الله - فقد كان بصيرًا بخطر
تلك المؤسسات الوضعية، ومن ثم اتخذ موقفًا حازمًا تجاه أي هيئة أو مؤسسة ذات
حكم وضعي [26] .
وألَّف رسالة عظيمة بعنوان: «تحكيم القوانين» قرر فيها - بالأدلة
الشرعية - وجوب إفراد الله تعالى بالحكم، وذكر الحالات التي يكون فيها الحكم
بغير ما أنزل الله - تعالى - كفرًا أكبر أو كفرًا أصغر.
وكتب الشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله - مؤلفًا في ثلاثة أجزاء
بعنوان: «الحق أحق أن يتبع» في الرد على القوانين الوضعية [27] .
7 -وأما العلاَّمة عبد الرحمن الناصر السعدي (ت 1376هـ) فهو أبرز
علماء نجد في علاج القضايا والنوازل، حيث كان أنموذجًا متميزًا في هذا الباب،
فكان مدركًا لمستجدات عصره ومتغيراته، ويتجلى ذلك فيما يلي:
أ - مناداته بأهمية التعرف على السياسة الدولية ومقاصدها؛ حيث يقول:
«قد عُلِمَ من قواعد الدين أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل
لها أحكام المقاصد، ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية
والتوقي لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم،
وخصوصًا السياسة الموجهة منهم للمسلمين؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على
المكر والخداع وعدم الوفاء، واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد؛ فجهل
المسلمين بها نقص كبير وضرر خطير، ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها
التي ترمي إليه نفعه عظيم، وفيه دفع للشر أو تخفيفه، وبه يعرف المسلمون كيف
يقاتلون كل خطر» [28] .
ب - وكتب العلامة السعدي رسالة رائعة إلى الشيخ محمد رشيد رضا سنة
1346هـ [29] يقترح عليه أن تُعنى مجلة المنار بالردّ على الملاحدة والزنادقة.
ويظهر من خلال هذه الرسالة ما كان عليه السعدي من سعة الاطلاع، وبُعد
الأفق، ورحابة الصدر؛ حيث طالع مجلة المنار، وأثنى عليها خيرًا، وأبدى شيئًا
من مآثرها في نصرة الإسلام والمسلمين، مع أن المجلة تكاد تكون مفقودة في نجد
آنذاك، بدليل أن محمد رشيد رضا - في جوابه على رسالة السعدي - يقول:
«كنت منذ سنين كثيرة أتمنى لو يطَّلع علماء نجد على المنار، ويفتح بيني
وبينهم البحث والمناظرة العلمية الدينية فيما يرونه منتقدًا لينجلي وجه الصواب
فيها، وقد كنت كتبت إلى إمامهم [30] بذلك، وإنني سأرسل إليه عشر نسخ من
كل جزء ليوزعها على أشهرهم، وفعلت ذلك عدة سنين، ولكن لم يأتني منه
جواب، ثم ترجَّح عندي أن تلك النسخ كانت تختزل من البريد البريطاني في سنيّ
الحرب وما بعدها»، بل إن الشيخ السعدي كما في هذه الرسالة قد طالع تفسير
«الجواهر في تفسير القرآن» لطنطاوي جوهري، وكشف عن مزالقه، مع
أن السعودية قد منعت هذا الكتاب ولم تسمح بدخوله إلى بلادها؛ لما تضمنه من
انحرافات [31] .
كما ألمح السعدي إلى ما نسب إلى مجلة المنار من تأويلات فاسدة فقال بكل
تؤدة وأدب: «وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه شيء من ذلك، وإلى
الآن ما تيسر لي مطالعته، ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن مثل [هذه] الأمور
إلا [من] وجه الردّ لها والإبطال، كما هي عادتكم في ردّ ما هو دونها بكثير».
ج - ومن جهود العلامة السعدي في علاج النوازل الحادثة أنه حرر مسألة
«زراعة الأعضاء» تحريرًا بليغًا [32] ، فكان مما قاله في مطلع هذه المسألة:
«جميع المسائل التي تحدث في كل وقت سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب
أن تُتَصور قبل كل شيء؛ فإذا عُرِفت حقيقتها وشُخِّصت صفاتها، وتصورها
الإنسان تصورًا تامًا بذاتها ومقدماتها ونتائجها، طُبِّقت على نصوص الشرع وأصوله
الكلية؛ فإن الشرع يحل جميع المشكلات، مشكلات الجماعات والأفراد».
وأخيرًا: فإن جهود هؤلاء الأعلام تجاه النوازل كثيرة سواء كانت جهودًا
علمية أو عملية، ولعل هذه الأمثلة المذكورة تكون حافزًا لطلاب العلم وأهله في
السعي إلى بيان المسلك الشرعي تجاه المستجدات؛ فما أكثر الأحداث والنوازل في
هذا العصر التي لم تحرر علمًا وتحقيقًا، وما أكثر المستجدات التي تحتاج إلى
مواقف عملية واضحة؛ فالتنصل والانزواء ليس حلًا ولا تبرأ به الذمة، والله
المستعان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)