ـ [العوضي] ــــــــ [01 - 05 - 03, 12:22 ص] ـ
3 -وقل غيرُ مخلوقٍ كلام مليكنا --- بذلك دان الأتقياء , وأفصحوا
لعل الناظم بهذه الصفة قبل غيرها من الصفات , لمناسبة السياق , وذلك أنه بدأ في البيتين الأولين بذكر التمسك بالكتاب والسنة , فلما ذكر وجوب التسمك بالقرآن , بدأ بذكر أبيات فيها ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن والرد على الذين خالفوا الحق وباينوه وجانبوا معتقد أهل السنة فيه , فهذه الأبيات فيهابيانٌ موجز لمعتقد أهل السنة في هذه المسألة , وردٌّ على أصناف من أهل البدع , وهم طوائف عديدة , أشار المصنف إلى بعضهم فبدأ رحمه الله بالكلام في هذه المسألى بقوله (وقل غيرُ مخلوقٍ كلام مليكنا)
(قْل) الخطاب لصاحب السنة المتمسك بالكتاب والسنة , أي: قل معتقدًا مؤمنًا بهذا الأمر غير شاك فيه ولا متردد ,, لأن القول إذا أُطلق فإنه يشمل قول القلب واللسان , ومن ذلك قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ... ) (البقرة136) أي: قولوا ذلك بقلوبكم إيمانًا واعتقادًا وبألسنتكم نطقًا وتلفظا.
(غير مخلوق كلام مليكنا) وهذا فيه إثبات أمرين يتعلقان بصفة الكلام:
الأمر الأول: أن الكلام صفة الله , فالقرآن كلام الله وليس كلام أحد من المخلوقين , وإضافته إلأى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف , بخلاف المعتزلة الذين قالوا هو من باب إضافة المخلوق إلى الخالق.
والمضافات إلى الله تعالى على نوعين: مضاف إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف مثل سمع الله وبصر الله وقدرة الله وكلام الله وعلم الله , وضابطه ما إذا كان المضاف وصفًا لا يقوم إلا بموصوف , ومضاف إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى الخالق مثل عبدالله وأمة الله وناقة الله وبيت الله , وضباطه ما إإذا كان المضاف عينًا قائما بنفسه.
وهكذا الشأن فيما يقال فيه (من الله) فقد يكون منه وصفًا , وقد يكون منه خلقًا. فقوله تعالى ( ... وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة13) . القول وصفللرب سبحانه ونعت من نعوته.
وقوله (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ... ) (الجاثية13) مافي السماوات ومافي الأرض جميعًا هو من الله خقلًا وإيجادًا.
وفي هذا الباب ضل طائفتان: المعتزلة حيث جعلوا الجميع إضافته إلى الله إضافة خلق وغيجاد , ليصلوا إلى مبتغاهم وهو القول بأن كلام الله مخلوق , وغلاة الصوفية حيث جعلوا الجميع إضافته إلى الله إضافة وصف , ليصلوا إلى متغاهم وهو القول بالحلول ووحدة الوجود تعالى الله عما يصفون.
والحق وسط بين ذلك , والحاصل أن إضافة الكلام إلى الله عزوجل من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
وعندما يقال كلام مليكنا يتضمن الأصل في الصفات , وهو ا، ما يضاف إلى الله من الصفات يثبت له على وجه يليق به , وهذا تضمنه قوله (كلام مليكنا) أي هي صفة لله تليق به لا تشبه صفات المخلوقين , فهو سبحانه له الكمال في ذاته وصفاته. ولذا قال بعض السلف (إذا أردت أن تتعرف الفرق بين كلام الله وكلام المخلوقين فهو كالفرق بين الخالق والمخلوق)
والقاعدة عند أهل العلم: أن الإضافة تقتضي التخصيص , فعندما يضاف الكلام إلى الله فإنه يخصه ويليق بجلاله وكماله , وعندما يضاف الكلام إلى المخلوق فيخصه ويليق بعجزه ونقصه , ولا يلزم من اتفاق الشيئين في الاسم أن يتفقا في الحقيقة والمسمة. هذا بين المخلوق والمخلوق , فيكف بين المخلوق والخالق.
الأمر الثاني: قوله (غير مخلوق) وهذا فيه رد وإبطال لقول من قال إن كلام الله مخلوق من المخلوقات التي أوجدها الله بقدرته , فالناظم بين بطلان هذا المعتقد بقوله (غير مخلوق) والقول بخلق القرآن هو معتقد الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
والجهمية يصرحون بهذه ويقولون: القرآن مخلوق والكلام مخلوق ولا يقولون هو كلام الله , ولهذا حاول شيخهم تحريف قوله تعالى ( ... وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (الناسء164) إلى نصب لفظ الجلالة فرارًا من إضافة الكلام إلى الله.
وأما المعتزلة فيضيفون الكلام إلى الله ولكنهم يجعلونه من باب إضافة المخلوق إلى الخالق.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)